اخبار اليمن الان

مترجم: السعودية وإيران.. صراع غير محسوم.. دليلك لفهم الصراع التاريخي على النفوذ

صحيفة مسند
مصدر الخبر / صحيفة مسند

أعد الباحث علي فتح الله نجاد دراسة حول التنافس السعودي-الإيراني للهيمنة على سياسات الشرق الأوسط، وقيادة المنطقة، والجهود التي تبذلها كلتا الدولتين لتحقيق هذا الهدف. نشرت هذه الدراسة عبر موقع مركز «بيلفر البريطاني للعلوم والشؤون الدولية». نجاد هو زميل بمركز بيلفر، ومتخصص في سياسة الشرق الأوسط والعلاقات الدولية والبرنامج النووي الإيراني. وفيما يلي ترجمة لأهم ما جاء في الدراسة:
 
تفاقم التنافس على الهيمنة فيما بعد 2011
انخرطت القوى العظمى في منطقة «الخليج الفارسي» (الخليج العربي): الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والمملكة العربية السعودية، في تنافس على الهيمنة حول السلطة والنفوذ منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على العراق عام 2003. وقد تميز هذا التنافس بالاختلافات الطائفية والقومية، والأيدولوجية الثورية، والتنافس على الهيمنة الإقليمية، وأسعار النفط، والمواقف من الولايات المتحدة والحضور العسكري في الخليج، وحتى فريضة الحج.
 
وفي القلب من هذا التنافس ثمة مواقف متطرفة اتخذها الطرفان لا يمكن التوفيق بينها منعت أي ترتيب لتقاسم النفوذ، وهو ما يعد السبيل الوحيد للخروج من هذا التنافس على الهيمنة الذي يبدو بلا نهاية. وقد تفاقم هذا الصراع في أعقاب البيئة الجيوسياسية فيما بعد 2011 التي اتسمت بالانتفاضات العربية (التي أثرت على تحالفات كلا البلدين وهياكل تحالفاتهما)، وانهيار أنظمة الدول (لا سيما في العراق وسوريا)، والتراجع النسبي للقوة الأمريكية (لا سيما في سوريا) ودخول روسيا في الأزمة الإقليمية (لا سيما في سوريا).

وقد نجحت إيران – بشكل خاص – في سد الفجوة التي خلفتها الدول الفاشلة، والآيلة للفشل بوسائل سياسية وعسكرية، عادة عبر خلق هياكل شبه موازية للدولة، وعن طريق عملية التقارب بين إيران من جهة، والحلفاء الغربيين التقليديين للسعودية من جهة أخرى، وهو ما نتجت عنه في نهاية شهر يوليو (تموز) 2015 خطة العمل الشاملة المشتركة، التي عمقت من الانزعاج الاستراتيجي للرياض الذي عززته تجربة «الربيع العربي» التي تخلت فيها الولايات المتحدة عن حليفها طويل الأمد في مصر، حسني مبارك، على خلفية عملية موازية لإعادة تأهيل إيران لدخول الساحة الدولية، ومن ثم، وضعت نهاية لشيطنة إيران تحت حكم الرئيس أحمدي نجاد، وتحت مظلة التقارب الذي عززته المصالح الاقتصادية والجيوستراتيجية، فتحول الأمر إلى تمجيد مضلل بالقدر ذاته لإيران تحت حكم الرئيس روحاني ووزير خارجيته، جواد ظريف.
 
وفي القلب من عدم ثقة السعودية، كان التوجه الغربي، لا سيما الأوروبي، لتوسيع نطاق «المشاركة البناءة» للغرب مع إيران في القضية النووية؛ ليشمل مسائل سياسة خارجية أخرى، لا سيما في سوريا والعراق، حيث سعت إيران إلى الإبقاء على هيمنتها.
 
طبيعة التنافس على الهيمنة: العوامل الجيوسياسية والعقائدية
شكلت إيران والسعودية خلال الحرب الباردة الركيزتين الأساسيتين للسياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، لكنَّ هذا الأمر تغير بشكل مفاجئ مع الثورة الإيرانية عام 1979. ومنذ ذلك الحين تبنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية سياسة خارجية مستقلة عن الغرب؛ وهو ما وضع طهران في مواجهة مع الغرب، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، وكذلك مع الدول الموالية للغرب في المنطقة، بما في ذلك السعودية.
 
وفي التسعينات، انخرط الرئيس الإيراني علي أكبر هاشمي رفسنجاني (1989-1997) في عملية ثنائية لنزع التوتر بين السعودية وإيران، اتخذ عام 1997، شكل التقارب خلال فترة خلفه محمد خاتمي (1997ـ-2005)، قبل أن يعود التنافس مرة أخرى تحت إدارة الرئيس التالي محمود أحمدي نجاد (2005ـ-2013) ــ وهو تطور من «الصداقة النسبية» إلى «دولة معادية ومنافسة» يمكن عزوه إلى التغيرات في الهوية المهيمنة لإيران خلال كل من هذه الفترات، بالإضافة إلى هذه التغيرات في الجغرافيا السياسية للمنطقة.
 
ومن ثم يمكن النظر إلى هذا التنافس من منظور الواقعية، أي المنافسة بين الدول من أجل البقاء، أو الهيمنة، لكنَّ التغيرات في وجهات نظر الدول حول هوياتها، لا سيما في الخطاب الرسمي للسياسة الخارجية، قد اضطلعت بدور مهم في تشكيل العلاقات الثنائية للبلدين.
 
دور الطائفية
ليس التنافس السعودي الإيراني طائفيًا في طبيعته، ولا هو استمرار للعداوة القديمة المزعومة بين السنة والشيعة. وإنما هذا التفسير جزء لا يتجزأ من سياسة «فرق تسد» الإمبريالية التي انتعشت مؤخرًا خلال العقد الأول من القرن الحادي والعشرين؛ إذ أدت قيادة الولايات المتحدة «تغييرًا للنظام» في العراق عام 2003، وتفكيك دولة صدام البعثية إلى تمهيد الطريق لصعود قوة إيران التي بلغت ذروتها في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في وقت وجد فيه الاحتلال الأمريكي نفسه غارقًا حتى أذنيه في «مستنقع». ومنذ ذلك الحين يمكن القول إنَّ السياسة الإيرانية اتسمت بدرجة من الثقة المفرطة، لا سيما في العراق وسوريا.

 
 
 
ومع ذلك، فثمة بعد طائفي لهذا التنافس ـ وقد كان العام 1979، والعام 2003، لحظتين مفصليتين في هذا الصدد. فعلى الرغم من الطابع الإسلامي الوحدوي لخطاب «تصدير الثورة» الذي تبناه آية الله الخميني، فقد كان لهذه الثورة أبعاد طائفية، فلم يقتصر الأمر على أن الثورة حجزت لإيران – وهي دولة ذات أغلبية شيعية وسط عالم مسلم ذي أغلبية سنية – مكانة واسطة العقد في شرق أوسط إسلامي وحدوي حديث التكوين، بل إنَّ الرسالة السياسية المصاحبة لها كانت موجهة بوضوح إلى جيرانها من الحكام العرب السنة الذين وصفتهم بأنهم غير شرعيين، وأنهم دمى في يد القوى الخارجية الشريرة (الإمبريالية والصهيونية)، وهو ما استفز انتفاضات الشيعة في هذه البلدان. ومن ثم فقد نظرت النخب الحاكمة في الممالك العربية إلى ذلك الأمر باعتباره دعوات ضمنية «لتغيير النظام».
 
واليوم فإنَّ إيران ما تزال منخرطة في الخطاب ذاته، وإن كان على مستوى أضعف مقارنة بالحقبة الثورية، وهو ما تراه دول مجلس التعاون الخليجي تهديدًا. وأقرب حادث في هذا الصدد ما وقع في مؤتمر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في المنامة، عندما أصر وزير خارجية البحرين على أنَّ الحوار مع إيران سوف يتطلب ثقة قد يتعذر الوصول عليها بالنظر إلى عقيدة ولاية الفقيه التي تتبناها الدولة الإيرانية، والتي سوف تربط ولاء شيعة المنطقة إلى طهران، بدلًا عن دولهم. والحق أنَّ إيران تحاول استغلال موقف الشيعة في دول مجلس التعاون، وهي خطوة سهل منها تعرض أولئك الشيعة للتمييز في بعض دول مجلس التعاون.
 
ثم إنَّ الهندسة الطائفية لعراق ما بعد صدام حسين التي قدمها الاحتلال الأمريكي قد خلقت ظروفًا مواتية لإنشاء حكومة مركزية يهيمن عليها الشيعة في بغداد، مدعومة من كل من واشنطن وطهران، وهو ما تبغضه السعودية. وقد فشلت الرياض منذ وقت طويل في ممارسة أي نفوذ سياسي في العراق، ولم تُعد فتح سفارتها في بغداد، إلا عام 2016، بعد توقف دام 25 عامًا.
 
وجهة نظر إيران التقليدية للسعودية: من التشويه إلى الشيطنة
ومن الإنصاف القول إنَّ نوعًا من الاستعلاء الحضاري قد ميز رؤية إيران للسعودية، سواء قبل الثورة أو بعدها. ويمكن القول – بشكل عام – إنَّ الممالك البترولية في شبه الجزيرة العربية ينظر إليها في إيران باعتبارها كيانات سطحية خلقتها القوى الاستعمارية باعتبارها جزءًا من سياساتها الإقليمية الإمبريالية القائمة على مبدأ فرق تسد، وهي كيانات لا يمكن لها الاستمرار طويلًا دون داعميها الخارجيين.
 
وفي هذا الصدد، يُنظر إلى المملكة العربية السعودية، إما على أنها تسهل المخططات الإمبريالية الصهيونية للمنطقة، أو أنها جزء لا يتجزأ من هذه المخططات. ولطالما استخدم المسؤولون الإيرانيون لغة تحقيرية عند الكلام عن أولئك القادة العرب، وأحدث مثال على ذلك، ما قاله المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية، آية الله خامنئي، عندما وصف قادة السعودية بأنهم «لا قيمة لهم، وغير أكفاء، ووضعاء» وأنهم «أبقار حلوبة» للولايات المتحدة، مضيفًا أنهم «قطعًا سوف يشهدون الدمار والسقوط والكوارث والانحدار».
 
لافتة رفعت في جنازة الحجاج الإيرانيين ضحايا حادث التدافع في الحج بمكة المكرمة. طهران-2015
 
وفي الآونة الأخيرة، صارت فصائل مختلفة من بين النخبة السياسية في إيران تعتقد أنَّ «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)» صنيعة سعودية و/أو أمريكية، تهدف إلى احتواء صعود القوة الإيرانية الشيعية في العراق والشام. وبعد الهجومين الإرهابيين في طهران بتاريخ 7 يونيو (حزيران) 2017، ألقى مسؤولون إيرانيون باللائمة على السعودية التي – بحسب قولهم – قد نفذت هجومها باستخدام «داعش» أو منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية.
 
وقد كانت السعودية في السنوات الأخيرة قد عبّرت علنًا عن دعمها لهذه الطائفة المعارضة الإيرانية المقيمة في الخارج، ما أكد مخاوف إيران أنَّ السعودية مستعدة لدعم أكثر أعدائها لدادة. وفي غضون ذلك وصف رئيس البرلمان الإيراني، علي لاريجاني، الولايات المتحدة بأنها «داعش الدولية»، بينما زعم نائب رئيس أركان القوات المسلحة الإيرانية اللواء مصطفى إزادي أنَّ لدى إيران أدلة على دعم الولايات المتحدة لداعش.
 
ومنذ خطة العمل الشاملة المشتركة، انخرط كل من طهران – التي وجدت نفسها في عملية من التقارب مع الغرب – والرياض – التي سعت للدفاع عن مكانتها بصفتها أكبر شركاء الغرب في منطقة الخليج، ولتأمين الحصول على دعم الغرب ضد القوة الإقليمية الإيرانية – انخرطا في سباق حول من هو «المفضل للغرب» في المنطقة. وقد ظهر هذا التنافس خير ظهور في الشجار الذي وقع في افتتاحيات كبريات الصحف الأمريكية، عام 2016 بين وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، ونظيره السعودي، عادل الجبير، عندما حاول كل طرف – بشكل ممنهج – وصم الآخر بأنه أكبر دولة ممولة للإرهاب في العالم، وأكبر تهديد على مصالح الولايات المتحدة على وجه الخصوص.
 
طموحات جيوسياسية متعارضة (1): زعيم العالم الإسلامي
يتصادم زعم إيران منذ الثمانينات أنها مركز أم القرى للعالم الإسلامي بأسره، وهو ما انعكس على لقب المرشد الأعلى بأنه «أمير المؤمنين» أو «أمير شؤون مسلمي العالم»، مع زعم مشابه للسعودية التي مُنح ملكها، منذ عام 1986، لقب «خادم الحرمين الشريفين»، ليكون زعيمًا للعالم الإسلامي. وتظهر هذه المنافسة على عدد من المستويات، بدءًا من التحالفات الجيوسياسية الإقليمية، ومرورًا بانخراط وسائل إعلام البلدين في بروباجاندا طائفية، وصولًا إلى الحج.
 
طموحات جيوسياسية متعارضة (2): القوة العظمى في الخليج
إنَّ الخليج منطقة شديدة العسكرة، وتعد إيران ودول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة الأمريكية – التي يتمركز أسطولها البحري الخامس في البحرين – قواها العسكرية الأساسية. وقد أنشئت المملكة المتحدة وفرنسا أيضًا، خلال السنوات القليلة الأخيرة، قواعد عسكرية هناك. وفي غضون ذلك، يعتقد بشكل كبير أنَّ إيران والولايات المتحدة تتمتعان بأعظم القدرات العسكرية في منطقة الخليج.
 
وما يزال الوضع الأمني في الخليج، حيث تمر 40% من صادرات النفط العالمية عبر مضيق هرمز الذي تتحكم فيه إيران، شديد التقلب. فبينما جمعت دول مجلس التعاون الخليجي على الشاطئ الغربي ترسانة عسكرية ضخمة تساوي عدة مليارات من الدولارات، فإنَّ إيران، على الممر المائي في الشاطئ الشمالي الخاضع للحظر العسكري الغربي عمليًا منذ الثورة الإسلامية لعام 1979، قد طورت من مجمعها الصناعي العسكري عبر توسيع ترسانتها من الصواريخ الباليستية.
 
تظاهرة مضادة للسعودية بعد إعدامها رجل الدين الشيعي نمر النمر. طهران-يناير (كانون الثاني) 2016
 
واستجابة لذلك الأمر، تخطط دول مجلس التعاون الخليجي لشراء منظومة دفاع صاروخية، ومن ثم تزيد من دائرة العسكرة بدلًا عن الانخراط في جهود أمن مشتركة. ومع ذلك، فإنَّ المواجهة الأخيرة التي قادتها السعودية والإمارات ضد قطر قد كشفت عن تناقضات عميقة داخل مجلس التعاون الخليجي؛ ما جعل من بقاء المجلس بصيغته الحالية أمرًا مستبعد الحدوث. وكذا فإنَّ الأزمة مع قطر قد صبت في مصلحة إيران.
 
وكما يُظهر الخلاف الأبدي حول تسمية الممر المائي الذي يفصل إيران عن شبه الجزيرة العربية، فإنَّ معظم النخبة السياسية لطهران ترى الخليج الفارسي إقليمًا واقعًا في دائرة الهيمنة الإيرانية الطبيعية. ومن ثم تدعو القوى الغربية للتخلي عن حضورها العسكري هناك. ومنذ ثورة عام 1979، رأت إيران نفسها محاطة بالقواعد العسكرية الأمريكية، وما كان يزيد من خطورة الوضع أحيانًا إطلاق تهديدات بشن الحرب، لا سيما أثناء فترة إدارة بوش/تشيني وأجندة «تغيير النظام» الخاصة بها.
 
ومع ذلك، فإنَّ ترتيبا بين الدول الساحلية للخليج قد يكون أمرًا عمليًا بحسب ما كتبه صحافي إيراني يعمل في وسائل الإعلام الحكومية، إذ قال:
 
«إنَّ تواجد القوى الغربية مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة في الخليج الفارسي وحوله لم يؤد إلى نظام أمني مستقر في المنطقة. في الواقع، فإنَّ هذا الحضور، في الماضي والحاضر، كان مصدرًا للصراع، والعدوان والاضطرابات الإقليمية. إنَّ نظامًا أمنيًا مستقرًا في منطقة الخليج الفارسي لا يمكن فرضه من الخارج، ويقينًا لن يتم ذلك عبر التغذية المستمرة لسباق التسليح. هذا النظام سوف يأتي بشكل طبيعي من الداخل، عبر اتفاقية مفيدة للطرفين من قبل الدول الساحلية وغيرها من أصحاب المصلحة المباشرة».
 
تحول إيراني: من الواقعية الدفاعية إلى الهجومية
إنَّ الرؤى الجيوستراتيجية للمملكة العربية السعودية تتفاوت بشكل كبير وفقًا للمدارس الإيرانية المتنوعة في السياسة الخارجية، من المواجهة إلى الاحتواء.
 
عندما يتعلق الأمر بالسياسات الإقليمية لإيران، فثمة تمييز بين الواقعية الدفاعية والواقعية الهجومية. فمن ناحية، فإنَّ السلوك الإيراني نحو التوصل إلى اتفاق نووي قد استُنبط من مدرسة سياسة خارجية يمكن وصفها بالـ«واقعية الدفاعية». هنا، اتبعت إيران الهدف الأساسي لإنشاء علاقات جيدة مع الغرب اعتمادًا على منطق الفوز للجميع في تسيير سياستها الخارجية. وتوجه إدارة روحاني ووزارة الشؤون الخارجية سياسة الانخراط هذه مع القوى العظمى الغربية، وقد مُنحت وزارة الشؤون الخارجية سلطة التعامل مع الملف النووي خلال المفاوضات التي ترأسها سفير إيران السابق في الأمم المتحدة، جواد ظريف.
 
جواد ظريف
 
ومن ناحية أخرى، فإنَّ سياسات إيران في عراق ما بعد صدام حسين، وسوريا ما بعد الانتفاضة مستمدة من مدرسة فكرية أخرى في السياسة الخارجية يمكن تسميتها بالـ«الواقعية الهجومية»؛ إذ لم تبد إيران في العراق أي اهتمام بقلب النظام الطائفي – الفاسد للغاية – الذي وضعته واشنطن، وحافظت عليه إيران، التي تفضل الأغلبية الشيعية على الأقلية السنية. وتستمر طهران في تفضيل الحكومة المركزية التي يقودها الشيعة في بغداد، والتي تتحكم في الأقاليم المركزية والجنوبية الغنية بالنفط، ويهيمن الشيعة عليها.
 
وكذا تكون سياسات طهران قد عمقت من تشظي العراق، بحكم الأمر الواقع، إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الشمالي المستقل فعليًا (حكومة إقليم كردستان)، والمناطق السنية التي يمكن لداعش التمدد فيها، والمناطق الشيعية سالفة الذكر. وتعمل طهران مع الميليشيات الشيعية، التي أنشأتها أو تدعهما، والتي اشتركت ــ كما هو حال نظيراتها من الميليشيات السنية ــ في مذابح عدة، ساهمت في تعميق اغتراب السنة، الذين بدأ الكثير منهم في اعتبار داعش القوة الفعالة الوحيدة التي يمكنها أن تعيد ترسيخ مصالحهم في وجه الهيمنة الإيرانية. وعلاوة على ذلك، فقد تابعت إيران أيضًا سياسة من التطوير الاقتصادي في هذه المناطق الشيعية للعراق.
 
أما فيما يتعلق بالسعودية فتختلف المدرستان. فمن ناحية يشدد الواقعيون الدفاعيون على أهمية السعودية بسبب دورها في أسواق الطاقة العالمية ومكانتها الأكثر تقدمًا بكثير في النظام الدولي، الذي يرى أتباع هذه المدرسة أنه ما يزال يهيمن عليه الغرب. ومن ثم فإنهم يقولون بضرورة وجود علاقات طيبة مع الرياض التي من الممكن أن تعزز من هدفهم الإجمالي بإعادة الاندماج في النظام العالمي. أما أنصار الواقعية الهجومية فيرون السعودية تحديًا للمكانة الإقليمية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وينبغي مواجهتها على أساس منطق المواجهة الصفرية.
 
وعلى الرغم من انتماء إدارة روحاني لمدرسة الدفاعية الواقعية، فإنها قد فشلت في تحقيق هدف تحسين العلاقات مع السعودية. وبينما لم يسهل موقف السعودية المتشدد من أي تخفيف للتوتر بين البلدين، فإنَّ إدارة روحاني نفسها قد فشلت في الانخراط المجدي مع جيرانها من دول مجلس التعاون الخليجي، على الرغم من تصريحاتها بهذا الصدد مع بداية فترة حكمها.
 
ومرة أخرى، شدد مسؤولو الإدارة، بعد إعادة انتخاب روحاني في 19 مايو (أيار) 2017، على أولوية إصلاح التوترات الإقليمية الجيوسياسية. ومع ذلك، فإنَّ تصاعد التوترات بين إيران والسعودية في أواخر شهر مايو وأوائل شهر يونيو 2017 -زيارة ترامب للرياض وهجمات طهران- قد أجلت، مرة أخرى، على الأقل في الوقت الراهن، احتمالية بروز مبادرة إيرانية إقليمية تهدف إلى نزع التوتر.
 
ترتيبات جديدة بعد داعش: التقارب السعودي-العراقي
ظهرت مجموعة جديدة من التطورات خلال فصلي الصيف والخريف من شأنها أن تؤثر على المسار المستقبلي للتنافس الإيراني السعودي، أهمها حصار قطر، والهزيمة على الأرض لداعش في سوريا والعراق، والتقارب السعودي العراقي واحتمالية نشوب حرب جديدة بين إسرائيل وحزب الله.
 
ففي شهر يونيو، فرضت السعودية والإمارات ومصر والبحرين حصارًا على قطر؛ ما أدى لنشوب أخطر أزمة بين دول مجلس التعاون حتى الآن. وعلى الرغم من أنَّ البعض قد اقترح أنَّ الحملة ضد قطر، المدفوعة بالدرجة الأولى من قبل دولة الإمارات بالتنسيق مع السعودية، والتي جُهز لها قبل أسابيع من بدايتها، تعود بسبب أساسي لنكوص قطر عن التماهي التام مع توجه الرياض المعادي لإيران – وكانت إحدى الطلبات من الدوحة بالفعل أن تقطع علاقاتها بطهران.
 
 

 
فيمكن القول إنَّ الأسباب الكامنة للأزمة متعلقة بمواضيع أخرى، لا سيما التفضيلات الجيوسياسية المختلفة لقطر خلال فترة «الربيع العربي» ودعمها له، ما جعلها على خلاف مع مواقف السعودية، وبشكل عام بسبب سياستها الخارجية المستقلة، والتي اعتنقت سياسة التحالفات المتعددة كما هو الحال مع باقي الدول المدينة الأخرى. وقد طرح الشقاق الداخلي بين دول مجلس التعاون علامة استفهام حول مستقبل المجلس، وهو الأمر الذي من شأنه أن يعزز من سلطة إيران في التنافس الجيوسياسي عبر الخليج الفارسي.
 
وقبل شهر واحد على الأقل من اندلاع أزمة قطر، كشف تسريب للبريد الإلكتروني أنَّ محمد بن سلمان، ولي عهد السعودية، أخبر اثنين من المسؤولين الأمريكيين السابقين أنه «يريد الخروج» من الحرب المستمرة منذ عامين في اليمن والتي تولى قيادتها بنفسه، لكنَّ عدم الانتصار فيها قد أصبح عبئًا على المملكة. وعلاوة على ذلك، فقد طلب محمد بن سلمان أيضًا وساطة العراق بين السعودية وإيران، بينما قال إنه «لا يمانع» من انخراط واشنطن مع طهران. وقد فسر هذا الأمر بشكل واسع على أنَّ محمد بن سلمان أكثر براجماتية بكثير مما قد يوحي به الخطاب السعودي الرسمي.
 
لكن بحلول شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، فاقمت الهزيمة على الأرض التي حاقت بداعش في سوريا والعراق – والتي لا تعني بالضرورة الهزيمة الأيديولوجية – من المخاوف حول طبيعة نفوذ التوسع الإيراني في ظل هذه الظروف؛ ما حدا ببعض المراقبين البارزين بتوقع تصعيد في التنافس السعودي الإيراني. وقد كان ينظر إلى إيران باعتبارها منخرطة في جهود لإنشاء «هلال نفوذ» يتكون من ممرات برية عبر العراق وسوريا وصولًا إلى لبنان.
 
وفي أوائل هذا العام، قيل إنَّ إيران انهمكت في تبادل للسكان في الأراضي المحررة من سيطرة السنة أو داعش، وأعادت شغلها بمسلمين شيعة. وفي 22 سبمتمبر (أيلول)، بدا خطاب الرئيس روحاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وكأنه جاء لمعالجة هذه المخاوف، إذ قال: «إنَّ إيران لا تسعى لاستعادة إمبراطوريتها القديمة، وفرض دينها الرسمي هناك، أو تصدير ثورتها عبر قوة السلاح. نحن واثقون للغاية في عمق ثقافتنا، وفي حقيقة وجهنا، ومثابرة ثورتنا وطول عمرها إلى الحد الذي لن نسعى معه أبدًا إلى تصدير أي منها بالطريقة التي يتبعها المستعمرون الجدد عبر بالأحذية الثقيلة للجنود» ومع ذلك، بالنظر إلى حقيقة أنَّ مراكز السلطة الأخرى، غير الرئاسة ووزارة الخارجية، تدير السياسات الإقليمية لإيران، فمن المشكوك فيه إذا ما كان جيران إيران سوف يرون مصداقية كبيرة في هذه التصريحات المهدئة.
 
لحظة فاصلة: مقتدى الصدر يتوجه إلى السعودية
ومع ذلك، فإنَّ التطور الأهم في الشهور الأخيرة الماضية هو التقارب المتزايد بين بغداد والرياض، الذي غير بالفعل من التكوينات الجيوسياسية التي بسببها كانت إيران القوة المهيمنة بلا منازع في العراق. وقد قام زعيم التيار الصدري بزيارة رسمية للسعودية استمرت ثلاثة أيام، في 30 يوليو، للمرة الأولى منذ عام 2006، قابل فيها ولي عهد السعودية الجديد، محمد بن سلمان، في جدة.
 
وقبل ذلك، تبادل مسؤولون كبار سعوديون وعراقيون زيارات، في جهد لتعزيز الروابط الثنائية. وربما يكون الأمر الأكثر أهمية، زيارة وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، إلى بغداد في شهر فبراير (شباط)، وهي أعلى زيارة سعودية رسمية إلى العراق منذ عام 2004. ولم يختر الصدر هذا المرة مناقشة السياسات السعودية، لا سيما معاملتها للشيعة، ولا السياسة الإقليمية، وذلك خلافًا لمواقفه السابقة، وإنما ركز على القضايا القومية العراقية فحسب.
 
الملك سلمان ورئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي
 
وقد فُسر هذا الأمر على أن الصدر، الذي يتمتع بقاعدة شعبية واسعة في العراق، يتبنى موقفًا غير طائفي في السياسة العراقية، ومن ثم يحاول التخفيف من التوترات الطائفية التي تهدد بتمزيق البلاد. وعلى الرغم من أنَّ الدوائر الشيعية من إيران إلى لبنان قد انتقدت هذا الموقف الجديد للصدر، فإنَّ خطوته بحاجة إلى النظر إليها في سياق تزايد إحباط الشيعة العراقيين بسبب الهيمنة الإيرانية في عراق ما بعد صدام حسين.
 
بالنسبة لكل من الرياض والصدر، فإنَّ التقارب السعودي العراقي الأخير ذو فوائد. فمن ناحية غزت السعودية بعض المساحات الشيعية التي كانت حتى ذلك الوقت واقعة تحت النفوذ الإيراني. جزء من هذه الاستراتيجية الجديدة كان فتح قنصلية سعودية جديدة في معقل الشيعة، مدينة النجف. وبالإضافة إلى دفع عشرة ملايين دولار من الرياض إلى بغداد للمساعدة على إعادة إعمار العراق، فإنَّ الصدر قد أمر أتباعه، بعد زيارته، بإزالة الملصقات المعادية للسعودية الموجودة في كل ربوع بلاده.
 
ومن ناحية أخرى، فقد أرسل الصدر بفعالية إشارة إلى طهران بأنه يمتلك خيارات جيوسياسية أوسع. وفي الإطار ذاته، سافر الصدر، بعد ذلك بأسبوعين، إلى الإمارات، حيث التقى بالشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي ونائب القائد الأعلى للقوات المسلحة الإماراتية. وكذا فإنَّ بعض الدوائر الشيعية العراقية تبدو مهتمة بتنويع علاقاتها الخارجية -فيما يتعلق بالدعم والموارد على حد سواء – من أجل موازنة الهيمنة الإيرانية على بلادهم.
 
بعبارة أخرى، فإن التقارب السعودي مع الصدريين يشجع أيضًا على إعادة التفكير في الطائفية في المنطقة وقوتها التفسيرية لتحليل الجغرافيا السياسية الإقليمية، ذلك أنه حتى الآن كان من السائد أنَّ شيعة المنطقة يكنون ولاءً حصريًا لإيران. والظاهرة ذاتها تنطبق على العلاقات السنية مع السعودية.
 
كما يتماشى هذا التقارب السعودي العراقي مع الجهود التي تبذلها الرياض لتنويع علاقاتها الخارجية من أجل تقليل اعتماديتها الجيوسياسية على واشنطن إلى جانب التأقلم مع الحقائق الجيوسياسية الجديدة في منطقتها التي تطورت فيها روسيا لتصبح لاعبًا مهمًا، كما أظهرت ذلك الحالة السورية. وكذا، فإنَّ زيارة الملك سلمان بين يومي أربعة وسبعة من أكتوبر (تشرين الأول) إلى روسيا، ليكون بذلك أول ملك سعودي يزور روسيا رسميًا، ينبغي النظر إليها في السياق ذاته.
 
إذ تحاول السعودية عقد اتفاق «شرف» مع روسيا حول سوريا؛ إذ إنَّ روسيا هي المنتصر بحكم الواقع في أرض المعركة، وبالنسبة إلى السعودية فالنفوذ الروسي في سوريا مفضل على النفوذ الإيراني. ويأتي هذا على خلفية تنامي الخلافات بين روسيا وإيران حول سوريا ما بعد داعش، وهو الخلاف الذي دُفن تحت حملتهما المشتركة دعمًا لنظام بشار الأسد.
 
مجلس تنسيق مشترك: ذروة التقارب السعودي-العراقي
وصل التقارب السعودي-العراقي إلى ذروته في أعقاب قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في 13 أكتوبر بـ«سحب الاعتراف» بخطة العمل الشاملة المشتركة – المعروفة بالصفقة النووية مع إيران – وإعلانه عن استراتيجية جديدة حيال إيران. وقد وضعت واشنطن في الواقع ثقلها خلف هذا التقارب، بصفته جزءًا من استراتيجيتها لاحتواء القوة الإيرانية في المنطقة. وفي الجولة الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي، ريكس تيلرسون، في الشرق الأوسط، ساعد على انعقاد اجتماع مجلس التنسيق السعودي العراقي في 22 أكتوبر في الرياض بحضور ملك السعودية، ورئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي الذي يتمتع أيضًا بعلاقات طيبة مع طهران.
 
وتهدف هذه الهيئة الوزارية المشتركة الجديدة بين البلدين، رسميًا، إلى تنسيق القتال ضد داعش وإعادة بناء أجزاء العراق التي دمرتها الحرب. وبحسب تيلرسون، فإنًّ المجلس سوف يساهم في الإصلاحات الموجهة نحو بناء القطاع الخاص في العراق، وجذب الاستثمارات الخارجية. ومن المنتظر تعزيز الاستثمارات السعودية، لا سيما في القطاعات الزراعية والبتروكيماوية في العراق. وشاركت شركات سعودية، خلال عطلة نهاية الأسبوع، في معرض تجاري دولي عقد في العاصمة بغداد واستؤنفت رحلات الطيران التجارية بين البلدين، للمرة الأولى منذ 27 عامًا، بعد اجتياح صدام حسين للكويت عام 1990. وفي شهر أغسطس، قال البلدان إنهما يخططان لفتح حدود معبر عرعر البري للتجارة، والذي كان قد أغلق عام 1990.
 
وزير الخارجية السعودي عادل الجبير مع نظيره الأمريكي ريكس تليرسون-الرياض
 
وعقب هذا الاجتماع الثلاثي، عقد تيلرسون ونظيره السعودي،عادل الجبير، مؤتمرًا صحافيًا مشتركًا، سلطا فيه الضوء على الرغبة السعودية في إعادة بناء علاقاتها مع العراق، بالإضافة إلى أجندتهما المشتركة المناهضة لإيران. وقال الجبير: «إنَّ الرغبة الطبيعية للبلدين والشعبين أن يتقاربا للغاية كما كان الحال منذ قرون. وقد قطع هذا التقارب لعدد من العقود. ونحن نحاول الآن تعويض هذه الأرضية المفقودة».
 
وفي غضون ذلك صرح تيلرسون قائلًا: «إنَّ الميليشيات الإيرانية الموجودة الآن في العراق، بعد اقتراب نهاية القتال ضد داعش، هذه الميليشيات تحتاج إلى العودة إلى ديارها. ينبغي عودة المقاتلين الأجانب في العراق إلى بلدهم والسماح للشعب العراقي باستعادة السيطرة».
 
وبحسب مسؤول أمريكي كبير، فقد كانت الإشارة إلى قوات القدس، الذراع العسكري الخارجي للحرس الثوري الإيراني، إلى جانب قوات الحشد الشعبي التي تتلقى تمويلًا وتدريبًا من إيران. وكانت قوات الحشد الشعبي قد تكونت عام 2014 عندما حُشد عشرات آلاف العراقيين بعد استيلاء داعش على ثلث أراضي البلاد، ثم أصبحت لاحقًا جزءًا من جهاز الأمن العراقي الرسمي.
 
وتصب نية إدارة ترامب بتوصيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية في السياق ذاته. وقد قال تيلرسون، في المؤتمر الصحافي ذاته: «كلا البلدين يعتقد أنَّ من يتاجرون مع الحرس الثوري الإيراني، وأي كيان تابع لهم ـ سواء من الشركات الأوروبية أو الشركات الأخرى في العالم ـ يخاطرون مخاطرة كبيرة بفعلهم هذا». ومن ثم، فلن يقتصر الأمر على أن تواجه إيران، ولا سيما الحرس الثوري الإيراني، تحديًا في مكانتها العسكرية والسياسية في العراق، إنما أيضًا مكانتها الاقتصادية، مع دخول السعوديين إلى الميدان. وينبغي النظر إلى مدى تأثير التوصيف المحتمل للحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية على عملياتها في العراق، وتعاملات حكومة بغداد معها على خلفية حزم المواقف الأمريكية والسعودية.
 
وفي إشارة واضحة للإحباط الإيراني من هذا التقارب السعودي العراقي، غرد وزير الخارجية الإيراني، جواد ظريف، على «تويتر» في اليوم ذاته قائلًا: «تحديدًا، أية دولة يعود إليها العراقيون الذين ثاروا للدفاع عن منازلهم ضد داعش؟ إنَّ السياسة الخارجية المخجلة للولايات المتحدة، أملتها أموال النفط السعودية».
 
ورد ظريف بتغريدة بعد يوم من إعلان ترامب عن استراتيجية جديدة لإيران قائلًا: «اليوم، فإنَّ الإيرانيين: أولادًا وفتيات، ورجالاً ونساءً ــ كلهم حرس ثوري إيراني يقفون بثبات مع أولئك الذين دافعوا عنا وعن المنطقة ضد العدوان والإرهاب». وفي الواقع فإنَّ هذه التغريدات، بالإضافة إلى التصريح المماثل للرئيس روحاني، تعد علامة على أنه على الرغم من التفضيلات المختلفة بين المدارس السياسة الخارجية المختلفة المذكورة أعلاه، فثمة بالفعل درجة كبيرة من الاتحاد.
 
وعلى الرغم من أنَّ هذا التقارب السعودي العراقي لن يؤدي إلى محو النفوذ الإيراني من العراق، فإنه سوف يكون بالفعل تطورًا إيجابيًا للعراق ذاته الذي يمكنه الآن تنويع علاقاته الاقتصادية والسياسية بعيدًا عن الهيمنة الإيرانية، لكن على الرغم من الجهود السعودية والأمريكية الرامية لضم العراق إلى سياستهما الناشئة لاحتواء إيران، فإنَّ هذا الاصطفاف لا يمكن اعتباره أمرًا مسلمًا به، ذلك أنَّ إيران تتمتع بشبكة من السلطة والنفوذ في البلاد أنشئت منذ الغزو الذي قادته أمريكا للعراق عام 2003.
 
وعلى الرغم من أهمية كل هذه الديناميكيات الإقليمية في حد ذاتها، فإنها لن تؤدي إلى أن يكون لأي من الرياض أو طهران اليد الطولى في تنافسهم الإقليمي المستمر. وبينما تبدو إيران المستفيد من حصار قطر، وسوريا والعراق ما بعد داعش، فقد أشارت الرياض إلى تحول براجماتي فيها، فوثقت علاقاتها مع كل من العراق وروسيا من أجل تحدي موقف إيران في غرب آسيا بعد داعش.
 
وفي مسرح الصراع الأخير، ظهرت الخلافات الإيرانية والروسية إلى الواجهة في أعقاب الهزيمة على الأرض لداعش، وما أعقبها من إعادة بناء سوريا. وعلاوة على ذلك، وبينما سوف يكون انهيار خطة العمل الشاملة المشتركة ضارًا بالمصالح الإيرانية، فإنَّ حربًا جيدة تشنها إسرائيل ضد حزب الله – الذي اعترف العام الماضي علنًا بتلقيه تمويلاً إيرانيًا – سوف ينتج عنها تبعات لا يمكن توقعها على المنطقة بأسرها.
 
ومن غير المحتمل أن ينتهي التنافس الإيراني السعودي على الهيمنة بين عشية وضحاها، ذلك أنَّ القوى الدافعة له، لا سيما طموحاتهما الجيوسياسية التي لا يمكن التوفيق بينها، ما تزال قائمة. فقط عندما ترتفع التكاليف إلى مستوى يراه أي من الطرفين مهددًا لمكانته الإقليمية أو وضعه الداخلي، فربما نرى حينها تقليلًا ملحوظًا للتوترات.
ــــــــــــــــــــــــــــ
 مترجم عنThe Iranian–Saudi Hegemonic Rivalryللكاتب Ali Fathollah-Nejad



اقرا الخبر من هنا في المصدر موقع مسند للانباء

أضف تعليقـك