اخبار اليمن الان

«طريق ثالث» لتعزيز العلاقات مع «القرن الأفريقي»

طه حسيب

الترابط العضوي بين الخليج العربي والبحر الأحمر والقرن الأفريقي لا تقتصر أبعاده على الجوانب الاستراتيجية والأمنية فقط، بل تترسخ يوماً بعد يوم باعتبارات اقتصادية وتجارية وتنموية تتمثل في خطط مستقبلية لتطوير المدن المطلة على البحر وما تحتويه من موانئ، وتعزيز إمكاناتها اللوجستية عبر النقل البحري وأيضاً مشروعات الربط بين هذه المدن وأقاليم أخرى. فليس جديداً على الإمارات استثماراتها في إدارة الموانئ على سواحل البحر الأحمر أو حتى في البحر المتوسط، وبعد ازدواج المجرى الملاحي لقناة السويس اتسعت آفاق الاستثمارات المصرية على جانبي خليج السويس، ومع طموحات سعودية تبدت في مشروع «نيوم» يزداد زخم البناء والتعمير وفق أحدث التقنيات والمعايير العالمية ضمن استثمارات كبرى تشمل أقاليم سعودية وأردنية ومصرية، وأيضاً «مشروع البحر الأحمر» الذي يستهدف التطوير السياحي، وأعلن عنه نهاية يوليو 2017 على مساحة تبلغ 34 ألف كيلومتر مربع ويمتد على 50 جزيرة طبيعية بين منطقتي أملج والوجه، وذلك ضمن رؤية المملكة 2030 الرامية إلى تنويع مصادر الدخل، ومن المفترض أن يجذب المشروع مليون سائح. أهمية استقرار البحر الأحمر مطلب جوهري لمصر الطامحة في تعظيم المكاسب التنموية من ازدواج المجرى الملاحي لقناة السويس، وللسودان عبر ميناءي سواكن وبورسودان، وعبر مشروعات مشتركة مع السعودية للاستثمار في المعادن بقاع البحر، ولليمن بعد أن ينتهي التمرد «الحوثي» طموحات تنموية تبدأ من موانئها على البحر الأحمر وخليج عدن، وإرتيريا التي تطمح في عوائد ضخمة من التنقيب عن الذهب. وحتى مسارات تصدير النفط تتطلب تعاوناً بين دول مجلس التعاون الخليجي مع محيطها الإقليمي، فيمكن تصدير نفط الخليج عبر أنابيب إلى البحر الأحمر من خلال الموانئ السعودية بعيداً عن مضيق هرمز، والأمر نفسه لحركة التجارة إذا توفرت خطوط برية سريعة أو سكك حديدية تربط الشاطئ الغربي للخليج بالشاطئ الشرقي للبحر الأحمر، ويمكن لنفط العراق الانتقال عبر أنابيب في اتجاه ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر بعدما تعثر تصديره عبر الاتجاه السوري، كما يمكن تصدير النفط الخليجي عبر الموانئ السعودية على البحر الأحمر.
وبمقدور السعودية والإمارات وأيضاً الكويت تعزيز شراكات تنموية مع دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي في مجال الأمن الغذائي، للحد من هواجس شح المياه وزيادة أسعار المواد الغذائية. ولدى الإمارات خبرات في إدارة المواني والطاقة النظيفة والتطوير العقاري والخدمات الذكية تستطيع نقلها لدول البحر الأحمر والقرن الأفريقي في إطار شراكات تعاونية قائمة على الندية وتبادل المنافع، وربما الوعي الخليجي خاصة لدى السعودية والإمارات بأهمية البحر الأحمر والقرن الأفريقي، دفع البلدين نحو جهود دبلوماسية تروم مصالحات كبرى بين إريتريا وإثيوبيا، وعلاقات استثمارية مع أديس أبابا لتهدئة التوتر مع القاهرة في ملف «سد النهضة»، على اعتبار أن الأجواء التصالحية تمهد لحراك استثماري تنموي يعود بالخير على الجميع في الخليج والبحر والقرن، ويحرك بوصلة التحالفات صوب الخليج العربي وليس في اتجاه إيران أو تركيا وقطر. أفق الاستثمارات الإماراتية في إثيوبيا ظهرت بوضوح في أكتوبر 2016 عندما وقعت أبوظبي مع بنك «أوروميا» الإثيوبي اتفاقية بقيمة 184 مليون دولار تتضمن استثمارات زراعية وتطوير مناطق صناعية إثيوبية، ناهيك عن التعاون الإثيوبي- الإماراتي في مشروعات الطاقة الشمسية، وفي سبتمبر 2016 وقعت الإمارات عقداً مع «صوماليلاند» لإدارة ميناء بربرة لمدة 30 عاماً.

روابط قديمة متجددة
التواصل الثقافي والحضاري بين شعوب الخليج العربي والقرن الأفريقي والبحر الأحمر قديم ومتجذر يُستدل عليه جيولوجياً، عندما نعرف أن العرب والأفارقة كانوا يعيشون في قارة واحدة قبل الانفصال الجيولوجي لأفريقيا عن شبه الجزيرة العربية بظهور البحر الأحمر، وقد اكتمل الانفصال بحفر قناة السويس في القرن التاسع عشر الميلادي، واجتماعياً عندما نعلم أن والدة عنترة بن شداد كانت إثيوبية وأبوه كان زعيماً لقبيلة «عبس» العربية. وإدراك أهمية التواصل بين العرب والأفارقة عموماً ظهر، في بعده الثقافي، عندما دشن صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة في 14 ديسمبر 1976 «قاعة أفريقيا» بمناسبة ندوة العلاقات العربية- الأفريقية، وتدشين قاعة «الشارقة» بمعهد الدراسات الأفريقية بجامعة الخرطوم في فبراير 1978، ثم إعادة افتتاح قاعة أفريقيا في 27 سبتمبر 2018. وفي 6 يونيو الماضي، أصدر حاكم الشارقة مرسوماً أميرياً بإنشاء «معهد أفريقيا»، ومن أهم أهدافه التعريف بالتراث الاجتماعي والثقافي للقارة السمراء، وإبراز أوجه العلاقات الأفريقية العربية في الخليج العربي. الارتباط الاقتصادي يظهر في حجم الاستثمارات العربية في أفريقيا، وتؤكده الأرقام، فحجم الاستثمارات السعودية والإماراتية في القارة بلغ 14.8 مليار دولار، والاستثمارات المصرية بلغت 7.9 مليار دولار، وبينما بلغت استثمارات الصين في القارة السمراء 40 مليار دولار. الاهتمام تبلور سياسياً بوضوح لدى المملكة العربية السعودية بتعيين وزير للشؤون الأفريقية في 26 فبراير 2018، ولديها علاقات دبلوماسية متعددة المستويات مع 43 دولة أفريقية غير عربية، ولدى الإمارات أيضاً علاقات دبلوماسية مع 44 من الدول الأفريقية غير العربية.

«مصالحة القرن»
وضمن هذا الإطار، أكد د. حمدي عبدالرحمن الخبير في الشؤون الأفريقية، وأستاذ العلوم السياسية بجامعتي زايد والقاهرة، أن مشكلة إثيوبيا قبل اتفاقية المصالحة التي أبرمتها مع إرتيريا برعاية سعودية وإماراتية، أنها دولة حبيسة، ليست لديها إطلالة على سواحل البحر الأحمر. الآن بعد وصول أبيي أحمد إلى السلطة، وتبنيه سياسة «صفر مشاكل» تغيرت الأمور كثيراً في منطقة القرن الأفريقي، ذلك لأن «أبيي» أجرى رحلات عبر الإقليم شملت جيبوتي والصومال والسودان وإريتريا ومصر. إثيوبيا تريد الآن الاستثمار في موانئ كينيا والسودان، لتعويض افتقارها لإطلالة على البحر الأحمر. ويقول عبدالرحمن: نحن أمام إعادة صياغة لمفهوم القرن الأفريقي والبحر الأحمر، بشكل مختلف وجديد، وكان الخلاف الإثيوبي- الإريتري، يربك منطقة القرن الأفريقي وأيضاً منطقة البحر الأحمر، وهما الفناء الخلفي للجزيرة العربية، خاصة وأن استقرار هذا القوس الممتد من الخليج العربي إلى القرن الأفريقي والبحر الأحمر يؤثر على الملاحة الدولية.

أوروبا والبحر الأحمر
ونوّه عبدالرحمن إلى أن مفهوم القرن الأفريقي فضفاض، فتارة ينحصر في جيبوتي وإريتريا والصومال وإثيوبيا، وهناك تعريفات تضم إلى هذه الدول الأربع كينيا والسودان وأوغندا، كما يتسع ليشمل منطقة البحيرات العظمى في رواندا وبوروندي، وفق مفهوم «القرن الأفريقي الكبير» الذي طرحته وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس.
ويلفت عبدالرحمن الانتباه إلى أن الاتحاد الأوروبي يدعو إلى إنشاء «منتدى البحر الأحمر»، ولدى الاتحاد استراتيجية تم الإعلان عنها في لوكسمبورج مؤخراً ترى أن التهديدات الحديثة التي تتعرض لها منطقة البحر الأحمر، تتضمن ثلاثة أمور، أولاً: استمرار الأزمة الدبلوماسية مع قطر خاصة وأن الأخيرة تغرد خارج السرب الخليجي. ثانياً: الحرب في اليمن، وتهديد «الحوثيين» لأمن الملاحة في باب المندب. ثالثاً: فوضى الصومال وتشظيه لأقاليم غير معترف بها مثل صوماليلاند وبونتلاند، وهناك اهتمام أوروبي بالملاحة الدولية في المحيط الهندي، والهجرة غير المنظمة.
وأشار عبدالرحمن إلى أن الاتحاد الأوروبي موجود عسكرياً في جنوب البحر الأحمر عبر «عملية أتلانتا»، لمحاربة القرصنة، ولدى الاتحاد الأوروبي بعثة في الصومال لتدريب حرس السواحل. ولفت عبدالرحمن إلى التزاحم العسكري قبالة سواحل جيبوتي، خاصة أن الأخيرة لا تمانع في تأجير قواعد عسكرية، الأمر الذي أسفر عن وجود عدة قواعد عسكرية فرنسية وصينية وبريطانية وأميركية، ما دفع السعودية إلى تدشين قاعدة هناك، ومصر لديها مصالح في المنطقة تضمنها السعودية والإمارات، في ظل ارتباط المصالح المصرية- السعودية- الإماراتية.

الحرب في اليمن
من أجل التصدي للانقلاب «الحوثي» أظهرت -حسب عبدالرحمن- خطورة الوجود الإيراني وأيضاً التركي في البحر الأحمر، لأن هذا يهدد أمن الخليج بشكل مباشر. فتركيا سعت لوجود عسكري في جزيرة سواكن السودانية، علماً بأن لدى أنقرة الآن قوات على الأرض في كل من سوريا والعراق وقطر وفي الصومال لديها قاعدة عسكرية، وقد قام وزير الدفاع التركي بزيارة إلى سواكن.
ويرى عبدالرحمن أنه ينبغي على دول التحالف العربي طرح رؤية جديدة لاحتواء النفوذ الإيراني في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، على سبيل المثال زعمت إيران في عام 2009 أنها تشارك في الحملة الدولية لمحاربة القرصنة، آنذاك تم اكتشاف تهريبها للأسلحة والمعدات لـ«الحوثيين» في اليمن الذين كانوا يحاربون النظام اليمني إبان حكم علي عبدالله صالح، ما جعل المملكة العربية السعودية تنشر زوارق لمراقبة سواحل جنوب البحر الأحمر المقابلة للصومال، ما يعني -على حد قول عبدالرحمن- ضرورة إضافة القوة الصلبة المتمثلة في وجود عسكري إلى القوة الناعمة، إضافة إلى ما يسمى «القوة الذكية».

«الشراكات التعاونية»
وحسب «عبدالرحمن» نحن أمام وضع بالغ التعقيد، يستجب التعاون عبر مؤسسات وآليات إقليمية، ولدينا مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأفريقي ومنظمة «إيجاد» التي تضم كينيا وأوغندا والسودان وإريتريا، لكن تفعيل الحوار بين مجلس التعاون والاتحاد الأفريقي و«الايجاد» يصطدم بعقبة الانقسام الخليجي في ظل الأزمة القطرية، وخروج الدوحة عن السرب الخليجي. ومن المهم التركيز على أن نمط العلاقات بين دول الخليج وبلدان القرن الأفريقي، يتجاوز نمط العلاقات الاستعمارية التي كانت سائدة في القرن الماضي، وأيضاً علاقات دول القارة الأفريقية بالصين، وما ينجم عنها أحياناً من لغط حول «المساعدات»، حيث يتم ارتهان الموارد الطبيعية لبعض البلدان الأفريقية لصالح الصين، وهو ما بات يوصف بـ«فخ المساعدات».
الدول الخليجية تطرح طريقاً ثالثاً في علاقاتها مع دول القرن الأفريقي، ودول القارة السمراء عموماً، التي تقوم على منطق «الشراكات التعاونية» البعيدة عن نموذج واشنطن أو الغرب عموماً وبعيداً أيضاً عن النموذج الصيني وما يرتبط به من شكوك حول استغلال الموارد الطبيعية.

«القرن» والأمن الغذائي الخليجي
ويرى عبدالرحمن أننا أمام تحدٍّ يتمثل في إعادة صياغة لأمن القرن الأفريقي والبحر الأحمر والخليج العربي، فهناك متغير آخر يربط أمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي بأمن الخليج العربي، يتمثل في افتقار دول الخليج للمياه العذبة وارتفاع أسعار المواد الغذائية، الأمر الذي دفع دول الخليج إلى الاستثمار في الأمن الغذائي، سواء في كينيا والسودان وإثيوبيا وأوغندا، ما يعني أن هناك مبررات للاهتمام بهذه المنطقة، وضمن هذا الإطار، فإن السعودية والإمارات حريصة على بناء علاقات استثمارية مع بعض دول القرن الأفريقي، ما يخلق هناك شراكات تعاونية في علاقات دول الخليج، ضمن أطر تقوم على الندية والمصالح المشتركة.
ويلفت عبدالرحمن الانتباه إلى أن دولة الإمارات لديها تجربة تنموية رائدة تستطيع تصديرها لدول القرن الأفريقي فبعد الاعتماد على النفط نجحت الإمارات في تنويع دخلها، والاستثمار في الطاقة النظيفة، وتستطيع الإمارات نقل تجربتها في هذا المجال لدول القرن الأفريقي التي تعاني شحاً في مصادر الطاقة، أي ضمان الأمن الغذائي مقابل تطوير مصادر طاقة نظيفة ومتجددة. الشراكة -كما يراها عبدالرحمن- بين دول الخليج والقرن الأفريقي، والقائمة على المنافع المتبادلة، تعزز شعبية الوجود الخليجي في هذه المنطقة التي تتحقق استناداً إلى ميراث تاريخي وحضاري، دون أية حساسيات ورواسب استعمارية أو شكوك في النوايا، وهو ما يصفه عبدالرحمن بالطريق الثالث.

مقاربة «القوة الذكية»
وعن الأهمية الاستراتيجية لمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، وبخاصة الإمارات والسعودية، يرى الدكتور محمد بن هويدن، أستاذ العلاقات الدولية ورئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الإمارات العربية المتحدة، أن الأمر يتعلق بجانبين أمني واقتصادي، فلا يمكن تحقيق استثمارات في ظل فوضى أمنية، ودول الخليج الآن الخطر الذي يدور حولها كبير ومن الصعب انتظاره، بل الذهاب إلى خارج الحدود لمواجهة هذه المخاطر، في ظل قوى أخرى معادية تتوغل، فالمسألة الأمنية تطورت من التحصين الداخلي إلى التحصين الإقليمي والخارجي.

ضد المشروع التخريبي
ويقول بن هويدن إن دول الخليج تضطلع بدور كبير في اليمن، واستقرار البحر الأحمر يضمن تحقيق الأهداف الخليجية في اليمن وإنقاذه من الميليشيات المدعومة من إيران، وهذا يعني أن استقرار اليمن من استقرار البحر الأحمر واستقرار الأخير يضمن استقرار اليمن. ويلفت بن هويدن الانتباه إلى عسكرة البحر الأحمر، فمعظم القوى الدولية موجودة فيه عسكرياً بطريقة أو بأخرى، والدول العربية التي تقود المشروع العربي وهي المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومصر ينبغي أن يكون لها أيضاً وجود عسكري في هذه المنطقة، يساعد على تحصين الفوائد الاقتصادية التي باتت حيوية لدول الخليج. المشروع العربي لا يجب أن يقف مكتوف الأيدي أمام مشروع آخر قائم على التدمير تقوده دول إيران ومنظمات إرهابية مثل «القاعدة» و«داعش» و«الإخوان». سياسة الإمارات في العديد من المناطق تعتمد على القوة الناعمة من خلال شراكات تحقق النفع للجميع، في إطار مشروع ناجح منذ سنوات، لكن هذا المشروع يواجه نماذج أخرى تريد طمسه، ما دفع في اتجاه استخدام ما يسمى «القوة الذكية» التي تمزج القوة الناعمة من استثمارات وشراكات بالوجود العسكري لحماية المشروع وتحقيق المكاسب. والمثال الأبرز على هذه المقاربة نجده في الملف اليمني، حيث ساعدت دول الخليج هذا البلد اقتصادياً، لكن المشروع التوسعي التخريبي غير الناعم المتمثل في إيران سعى لفرض نفوذه، الإمارات تتحرك في إطار التحالف العربي بقيادة السعودية بقوة لمواجهة المشروع التدميري الذي تقف وراءه إيران والتنظيمات المتطرفة في اليمن.
ولدى بن هويدن قناعة بأن تعريب الأمن في الإقليم الممتد من الخليج العربي والبحر الأحمر والقرن الأفريقي، يتطلب تدشين شراكات فعلية بين دول المنطقة، من خلال بناء الثقة، والخطوة الأبرز في هذا الإطار، تتمثل في المصالحة الإثيوبية- الإريترية، المدعومة من السعودية والإمارات، فالثقة التي تنجم عن هذا الدور التصالحي، ستقف في وجه أطراف أخرى تسعى إلى اتهام المشروع العربي بأنه يسعى للسيطرة والهيمنة. والمطلوب أيضاً دور سياسي لتوضيح الدور الخليجي بأنه يسعى للشراكة من أجل مصلحة الجميع وليس الهيمنة والسيطرة،، ويرى بن هويدن أن تأسيس كيان للدول العربية المطلة على البحر الأحمر، خطوة ممتازة من خلالها يصبح لدى الدول المشاطئة للبحر إطار شرعي وقانوني للعمل المشترك من أجل حماية أمن هذه الدول، ضمن إطار إقليمي، يحظى بقبول الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وذلك بعيداً عن الإطار المنفرد الذي عادةً ما تحوم حوله الشبهات.

اجتماع الرياض.. نقلة نوعية
وبعد الاجتماع الوزاري في الرياض يوم 12 ديسمبر 2018 والذي شارك فيه وزراء خارجية كل من السعودية ومصر وجيبوتي والصومال والأردن والسودان واليمن، الذي أسس لكيان يضمن الدول السبع المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن، يمكن القول إن الوعي العربي بالتهديدات المحدقة بالبحر الأحمر والقرن الأفريقي يتحول تدريجياً إلى أطر مؤسسية، كان حرياً بالجامعة العربية المبادرة بخطوات تجاهها، حسب الكاتب والمحل السياسي الأردني رومان حداد، فالأردن يهتم بقضايا البحر الأحمر، ولديه مواقف ثابتة في تعزيز الاستقرار في المنطقة، مشيراً إلى أمور يتعين حسمها لتفعيل رؤية مشتركة للدول المطلة على البحر الأحمر، من أهما الانقلاب «الحوثي» الذي جعل إيران تقترب من باب المندب عبر وكلائها «الحوثيين»، بعدما كثفت وجودها بالقرب من البحر المتوسط في سوريا. ويرى «حداد» أن الكيان الذي تم السعي من أجل تأسيسه في الرياض ينبغي أن يكون نقطة قوة حقيقية، ومن المهم عدم ترك أي ثغرة قد تنفذ منها إسرائيل في الترتيبات الخاصة باستقرار البحر الأحمر.
ولفت «حداد» الانتباه إلى أن إسرائيل مهتمة بالبحر الأحمر، وتسعى لتدشين مسار بديل لقناة السويس من خلال خطوط سكك حديدية تمتد من ميناء أشدود الإسرائيلي على البحر المتوسط وصولاً لميناء إيلات على البحر الأحمر، تل أبيب تريد البحر الأحمر نقطة إطلاق جديدة لإعادة التصدير، وتسيير حركة البضائع من البحر الأبيض المتوسط إلى البحر الأحمر والعكس، وبتكلفة أقل من قناة السويس وخلال فترة زمنية، أقصر، فالقطارات السريعة على خط أشدود- إيلات تقطع المسافة بين الميناءين البالغ طولها 300 كيلومتر في ساعة ونصف الساعة، مقابل يوم كامل تستغرقه السفن التي تقطع لمسافة ذاتها في قناة السويس. وحسب «حداد»، فإن خطوط القطارات الإسرائيلية موجودة بالفعل، ولديها 3 خطوط، والمستهدف زيادتها إلى 10 خطوط سكك حديد، والهدف يكمن في خطة إسرائيلية لتقليل أهمية قناة السويس، وأيضاً ربما تطرح تل أبيب إمكانية الربط البري في مرحلة لاحقة مع شبه الجزيرة العربية.

رسالة إلى النفوذ التركي
ويرى «حداد» أن الاجتماع الوزاري في الرياض يوجه أيضاً رسالة إلى تركيا التي دخلت البحر الأحمر من خلال ميناء سواكن وذهبت للقرن الأفريقي في الصومال ودشنت فيه قاعدة عسكرية. ويعتقد «حداد» أن الاجتماع يمهد لترتيبات قوية بين الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، خاصة في ظل بوادر حلحلة الحرب في اليمن، فالتركيز لابد وأن يتمحور حول أمن مضيق باب المندب، فلا مناص من سيطرة عربية عليه حتى لا تضيع الميزة الاستراتيجية للموانئ العربية والمشروعات التنموية في الخليج والبحر الأحمر.
وعن رؤية الأردن للتنمية في خليج العقبة، يقول إياد سمرين إنه منذ أربع سنوات انطلق مشروع تطوير خليج العقبة بدعم خارجي. الأهمية الاستراتيجية لميناء العقبة الأردني المطل على البحر الأحمر أنه منفذ استيراد معظم الاحتياجات الأردنية بما فيها الغاز الطبيعي، وأيضاً حركة تصدير الفوسفات والبوتاس إلى خارج الأردن تمر عبر هذا الميناء.

البوابة الاقتصادية للأردن
وأشار عوني الداوود، الصحفي الأردني المتخصص في الشؤون الاقتصادية إلى أن خليج العقبة يُعدُ البوابة الاقتصادية الوحيدة للأردن على البحر الأحمر، وكل التجارة الأردنية تدخل من خلاله، وفي ظل الاضطرابات السياسية في سوريا والعراق باتت العقبة منفذاً برياً وبحرياً وحيداً للتجارة الأردنية، وأيضاً لدول أخرى مجاورة. وحسب «الداوود»، فإن العقبة منطقة اقتصادية خاصة تصل حجم الاستثمارات المتوقعة فيها خلال العامين المقبلين 30 مليار دولار أميركي. وفي المنطقة استثمارات كويتية ضخمة بلغت قيمتها 14 مليار دولار تتضمن «ميناء الشيخ صُباح» لاستيراد الغاز، وتوجد استثمارات إماراتية بقيمة 17 مليار دولار ضمن مشروع «مرسى زايد». ولفت «الداوود» الانتباه إلى مشروع ضخم لنقل النفط العراقي من البصرة إلى الأراضي السعودية وصولاً إلى ميناء العقبة الأردني على البحر الأحمر، وهذا الخط سيكون مسانداً لخط آخر يمر من العراق إلى شواطئ البحر المتوسط في سوريا. وهناك حاجة ماسة لجعل العقبة مركزاً لمشاريع نقل كبرى، كقطارات سريعة مثلاً، وذلك تفعيلاً لتوصيات القمة الاقتصادية العربية في الكويت عام 2009 التي طرحت ربط منطقة الخليج ببلاد الشام عبر منظومة قطارات بقيمة 7 مليارات دولار هي تكلفة الجانب الأردني فقط من المشروع. وهناك قناة (البحر الأحمر- البحر الميت) للحد من التدهور البيئي في البحر الميت، فهناك توقعات بجفافه وازدياد ملوحته بحلول 2050، لكن المشروع يحتاج موافقات ومواءمات سياسية، وعلى جانبي القناة سيتم تدشين مشروعات زراعية. ويشير «الداوود» إلى إحياء «الخط الحجازي» الذي كان يربط بين العقبة وبلاد الشام ومن ثم تركيا، ويمكن ربط هذا الخط في مرحلة لاحقة بالسكك الحديدية الخليجية. ينطلق من العقبة أيضاً مشروع الغاز المصري في إطار شركة «فجر» المصرية- الأردنية المشتركة في العقبة، ومنها أيضاً يمكن تفعيل شبكة الكهرباء العربية.

تحذير: التمدد الإيراني نحو البحر الأحمر تطويق لدول مجلس التعاون الخليجي
يرى الدكتور البدر الشاطري، الأستاذ بكلية الدفاع الوطني في أبوظبي، أن البحر الأحمر تاريخياً ذو أهمية جيوسياسية بالنسبة للمنطقة العربية. وليس هناك مبالغة بالقول إنه بحر عربي بامتياز حيث إن الدول المتشاطئة عليه عربية الانتماء بما فيها إريتريا. هذا من الناحية التاريخية والحضارية. وأكد الشاطري أن أهمية البحر الأحمر والموانئ المنتشرة على سواحله من الناحية الجيوسياسية تتمثل في أن السيطرة عليه تعني سيطرة على قدر كبير من التجارة العالمية، سواء كانت بضائع تجارية أو منتجات طاقة. كما أن البحر الأحمر رابط مهم بين البحر المتوسط والمحيط الهندي، حيث تعج المنطقة الآسيوية بنشاط تجاري كبير وتصدر كثيراً من منتجاتها إلى أوروبا والأميركيتين عبر هذا البحر.
ولا غرو في أنه عندما هدد القراصنة من الصومال الملاحة في المنطقة المحاذية للبحر الأحمر هبت دول مثل الولايات المتحدة والصين والإمارات إلى تأمين المنطقة والقضاء على هذه الآفة. وليس أدل على الأهمية التي توليها دول الخليج للبحر الأحمر بأن تدخلها في اليمن لم يبدأ مع الانقلاب «الحوثي» بل مع تمدد هذه الميليشيا المدعومة من إيران إلى عدن، وما بدا أن أذرع إيران شرعت بالسيطرة على هذا الممر المائي الاستراتيجي، فكان التدخل العربي بقيادة المملكة العربية السعودية.
ونرى الاهتمام بحماية أمن البحر الأحمر من قبل الدول المتشاطئة عليه يتمثل في إعادة التحالفات السياسية في المنطقة. ومع تزايد التحالف الاستراتيجي بين الإمارات والسعودية، تجددت العلاقات بين هاتين الدولتين ومصر والسودان وجيبوتي وإريتريا وإثيوبيا، كما أن الدول العظمى وخاصة الولايات المتحدة تعطي المنطقة اهتماماً متزايداً. وبالنسبة لإيران، يرى «الشاطري» أن أهمية البحر الأحمر تتعدى كونه شريان حياة مهماً لدول عديدة في الشرق الأوسط وأفريقيا. فالتمدد نحو البحر الأحمر يعني، بالنسبة لطهران، إكمال طوقها حول دول مجلس التعاون من عدة مداخل مهمة من جهة الخليج العربي والعراق وسوريا واليمن ومنطقة البحر الأحمر. ولا يمكن لدول الخليج العربي أن تقبل بوضع جيوسياسي يشي بمخاطر عديدة على أمنها. ولا يمكن للدول العربية الأخرى مثل الأردن ومصر والسودان أن تقبل بهذه الحقائق على الأرض لما يشكله من تهديد وهي العمق الاستراتيجي لدول الخليج.

«كيان دول البحر الأحمر وخليج عدن» رد على مخططات طهران
أكد نبيل ماجد، وكيل وزارة حقوق الإنسان اليمنية، أن الرد العربي على الانقلاب «الحوثي» المدعوم من إيران والمهدد للملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن والذي يلحق الضرر بالأمن الخليجي، اتخذ ثلاثة أوجه، أولها عسكري تمثل في «عاصفة الحزم» و«إعادة الأمل»، والثاني سياسي أحدث ملامحه انطلقت يوم 12 ديسمبر الجاري من الرياض من خلال تدشين كيان لدول البحر الأحمر وخليج عدن يضم 6 دول عربية، سبقه جهد دبلوماسي سعودي وإماراتي في المصالحة بين إريتريا وإثيوبيا، ناهيك عن انخراط السودان في التحالف العربي ضد المشروع الإيراني. والرد الثالث اقتصادي استثماري، يظهر من خلال التعاون الاقتصادي بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، والاستثمارات السعودية والإماراتية في دول البحر الأحمر والقرن الأفريقي، لاحتواء هذه الدول بعيداً عن أي تحالفات تزعزع الاستقرار وتضر بمصالح دول الخليج العربية والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. وحسب ماجد، فإننا أمام مشروع فارسي يريد الاستحواذ على المنطقة والتحرك خارج النطاق الجغرافي الإيراني، في مواجهة مشروع عربي نهضوي، ولا مناص من الدفاع عن مشروعنا العربي حماية لأرضنا ومصالحنا وسعياً لرخاء شعوبنا.

البحر الأحمر والعودة إلى «أفرابيا»
جيولوجياً كانت شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا إقليماً واحداً إلى أن ظهر البحر الأحمر، فأصبح يفصل جغرافياً القارة السمراء عما يقع على شواطئه الشرقية. الآن وأكثر من أي وقت مضى، تتوحد الرؤى على جانبي البحر، لتجعل الخليج العربي والبحر الأحمر والقرن الأفريقي أشبه بإقليم واحد «أفرابيا». وليس أدل على بداية الوعي المؤسسي بهذه الحقيقة من اجتماع وزراء خارجية الدول العربية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن (السعودية -مصر- اليمن- جيبوتي- الصومال- الأردن) في العاصمة السعودية يوم 12 ديسمبر الجاري، وقبله بعام اجتماع مماثل في القاهرة. تتجدد أهمية البحر الأحمر كرابط محوري واستراتيجي بين دول الخليج العربي والقرن الأفريقي، ليتحول من فاصل جغرافي إلى أداة ربط استراتيجي، تتعاظم أهميته لأسباب متعددة من أهمها دوره كشريان حيوي للملاحة الدولية ونقل صادرات الطاقة إلى أسواقها العالمية، وثرواته المعدنية والنفطية، والزحام العسكري للقوى الكبرى في موانئه، ومخاطر استغلال التنظيمات الإرهابية لمجراه الملاحي، وكذلك القراصنة، ناهيك عن التسابق الإقليمي من أجل التمركز بنقاط القوة الاستراتيجية على امتداد سواحله، لدرجة قيام اليابان للمرة الأولى منذ عام 1945 بإرسال بعثة عسكرية قوامها 200 جندي إلى جيبوتي. وحتى في المجال البيئي يتطلب البحر الأحمر تعاوناً في إطار جماعي للحفاظ على تنوعه البيولوجي وحمايته من خطر ارتفاع درجة ملوحته أو زيادة درجة الحرارة في مياهه. الآن يتسابق على البحر الأحمر وقبالة مضيق باب المندب كل من روسيا، من خلال منطقة حرة في إريتريا، والصين عبر دبلوماسية البنية التحتية، في كينيا وإثيوبيا وقاعدة عسكرية في جيبوتي، واستثمارات في السودان، والولايات المتحدة تعتبر البحر الأحمر ممراً محورياً لأساطيلها، ما يعني ضمان وتعزيز مصالح هذه الدول في القرن الأفريقي ومنه إلى كافة أرجاء القارة السمراء، التي لا تزال بحوزتها المزيد من الفرص الاستثمارية الواعدة.
وفي البحر الأحمر والقرن الأفريقي تبحث تركيا وإيران، ومن يتحالف معهما، عن موطئ قدم، فوجدنا طهران تدعم «الحوثيين» للسيطرة على باب المندب وتهديد أمن الملاحة الدولية ومن ثم الإضرار بمصالح دول مجلس التعاون الخليجي، ولولا «عاصفة الحزم» في 25 مارس 2015 لسيطرت طهران على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، ولنا أن نتخيل الأبعاد الكارثية لوقوع هكذا سيناريو. كما أن تركيا قبل أن تدشن قاعدة عسكرية في الصومال، دشنت قاعدة لها في قطر، وتبحث عن وجود استثماري وعسكري في ميناء سواكن السوداني. كل هذا التسابق الدولي والتكالب الإقليمي أكد حتمية الترابط بين البحر الأحمر بامتداداته في خليج عدن والقرن الأفريقي بأمن الخليج العربي، لنكون الآن أمام «أفرابيا» علي مزروعي بلغة الترابط الجيوسياسي والأمني والاقتصادي.

إقرأ أيضاً.. رؤية عربية لأمن «أفرابيا»: ثلاثية الخليج والبحر والقرن (2-2)

يمكنك ايضا قراءة الخب رمن هنا في المصدر من صحيفة الاتحاد الاماراتية

أضف تعليقـك