اخبار اليمن الان

صورة من مأساة الحرب: صحافيون يمنيون يلجأون إلى مهن أخرى

صحيفة مسند
مصدر الخبر / صحيفة مسند

لم يستطع جابر غراب، وهو مصور صحافي محترف، أن يتخلى عن حمل كاميرته، حتى وقد صار يبيع القات كمهنة جديدة عليه، لجأ إليها استجابة للمعاناة التي فرضتها الحرب على اليمنيين بمن فيهم الصحافيون، الذين يعيشون ظروفاً سيئة للغاية في بلد صنّفته منظمة “مراسلون بلا حدود” مؤخراً، ضمن خمسة بلدان هي الأخطر في العالم على حياة الصحافيين.
 
كان جابر يحلم ككل اليمنيين بمستقبل أفضل، ولهذا اشتغل على عدد من المشاريع الفوتوغرافية بموازاة تجربته الصحافية، فبقيت الكاميرا ترافقه في حله وترحاله يوّثق للابتسامات في الشوارع وملامح الأمل في المكان من خلال لقطات ظل ينشرها في صفحته في موقع “فيسبوك” حتى عقب اندلاع الحرب في بلاده عام 2015 لم يتوقف عن ذلك، إذ لم يتوقع استطالة الحرب؛ فظل مستمراً في توثيق ابتسامات الناس، ونشرها ضمن وسم “ابتسم في زمن الحرب”.
 
 لقد ظل جابر يكابد معاناة الحرب، ويتحمل تبعاتها، ككل زملاء المهنة هناك، وينفق من هنا وهناك إلى أن نفد منه كل شيء، ووصل به الحال إلى ضرورة البحث عن عمل. لكنه لم يجد سوى العمل في بيع القات؛ فهو عمل يحتاج لرأسمال قليل، وسيوفر له حداً مقبولاً من احتياجات الحياة. من خلال حديث جابر تشعر أن جذوة المهنة ما تزال مشتعلة في روحه على الرغم من معاناته في مهنته الجديدة؛ كأن تلك الجذوة ما زالت تمنحه أملاً في العودة لمهنته الأصلية، حتى بعد أن صار لاجئاً في مهنة أخرى، بدليل أنه ما زال يحرص بين الفينة والأخرى على الخروج من البيت بكاميرته وحملها معه إلى سوق القات (القات عشب يلوكه معظم اليمنيين خلال أوقات ما بعد الظهيرة، وتصنفه بعض الدول ضمن الأعشاب المخدرة) كأنه لا يستطيع أن ينسى حياته السابقة: “بالفعل أنا لم أتوقع أنني سأعمل في مهنة أخرى غير الصحافة، لكن الظروف كانت أقوى مني، بعد انقطاع معظم مصادر الدخل وتدني قيمة الريال وارتفاع الأسعار وما نتعرض له من مضايقات؛ كان لابد أن أبحث عن عمل، واختياري للعمل في بيع القات هو لأنني لم أجد غيره، وقبل ذلك لأنه يتيح لي التواجد في عمق المجتمع ومع الناس كما أحب أن أكون” يقول جابر لـ “القدس العربي” وكان يحرص أن يبدو سعيداً، كأنه يتحدى نفسه مضمراً ملامح المعاناة النفسية التي يعيشها الصحافيون خلال لجوئهم لمهن أخرى.
 
بين القبول الرفض
تمتص الحرب كل يوم ما تبقى من أحلام اليمنيين؛ بل أن مَن يموت منهم عوزاً وفقراً ومرضاً يتجاوز بكثير أعداد من يقتلهم البارود؛ وهو واقع يمكن قراءة عناوينه في نسب من يتم تشييعهم يومياً إلى المقابر، كما يمكن ملاحظته فيما يعيشه الناس من واقع مأساوي على صعيد كل المهن؛ ففي مجال الصحافة عملت الحرب على إغلاق كثير من المؤسسات والصُحف وحجب المواقع الالكترونية، حتى يكاد ينحسر العمل الصحافي المحلي ومعظم الخارجي فيما يخدم الحرب، كل ذلك في موازاة انقطاع صرف رواتب غالبية الصحافيين، فيما البقية المتبقية لم تعد تحصل سوى على راتب تراجعت قيمته إلى نحو مئة دولار تقريباً، علاوة على ما وصل إليه قمع الحريات، الأمر الذي تدهورت معه أحوال الصحافيين الحياتية فقراً وخوفاً؛ فاستنزفوا، خلال بقائهم خارج المهنة، منذ بدء الحرب ما كان لديهم من وسائل لدرء تداعيات هذا الواقع، حتى وصل الحال ببعضهم إلى مغادرة المدن، حيث كانت مقرات أعمالهم، والعودة للأرياف والعمل في الزراعة، لكن حتى هؤلاء يعيشون أوضاعاً صعبة؛ لأن الوضع المعيشي في الريف صار طارداً لهم؛ حيث يجد الصحافي أن الفقر هناك أيضاً يجعل أهله يضيقون ذرعاً به.
 
أما مَن بقي من الصحافيين في المدن فيعيشون وضعاً مختلفاً، لكن الحال بلغ ببعضهم إلى تفرق شمل عوائلهم، وعدد آخر استطاع أن يتجاوز مرحلة البؤس من رحلة المأساة، بالانتقال إلى مرحلة المرارة في التعايش مع مهن أخرى إن جاز التوصيف؛ فصار بعضهم مثلاً يملك دكاناً لبيع الآيس كريم، وآخر أصبح دلالاً في تجارة العقارات، بل أن بعضهم ضحى بما يملك في سبيل افتتاح دكان صغير يعيل منه عائلته بالحد الأدنى.
 
ضياع الحلم
يتحدث عبد الرحمن مطهر، وكان مديراً للمكتب الصحافي لصحيفة “الجمهورية” في صنعاء، بحسرة عن حلمه بهذا الوطن، ويقول “سأعمل بكل جهدي لتعليم ابني ليغادر هذه البلاد لإكمال تعليمه وحياته خارجها؛ فبلادنا لم تعد وطناً صالحاً لنا؛ هكذا أقول لأبني”.
 
لقد ضحى عبد الرحمن بحلم بناء بيت لعائلته الصغيرة، فبعد أن اشترى أرضاً وانتظر طويلاً أن يتحقق حلم البناء اندلعت الحرب؛ فظل يقاوم تداعياتها، حتى ضاق به الحال لاسيما أن عائد العمل الصحافي المتاح له لم يستطع أن يحميه من العوز ما أضطره لبيع تلك الأرض، وأفتتح بقالة مواد غذائية وبهارات في حي المشهد في صنعاء، حيث صار متفرغاً للعمل فيها يومياً منذ شهور: “بعد معاناة وتفكير لم يكن أمامي سوى أن يكون هناك عمل يوفر لي إيجار المسكن ومصروفات عائلتي؛ فأي راتب لم يعد قادراً أن يمنحك ربع الحياة التي كنت تعيشها قبل الحرب؛ فافتتحت بقالة وبهارات، وهو دكان صغير، لكنه بات اليوم يوفر لي ولعائلتي حياة مقبولة بالحد الأدنى، حيث استطيع سداد إيجار البيت والدكان ونفقات المعيشة وأقساط مدرسة الأولاد”. يقول عبد الرحمن لـ”القدس العربي” “لم أتوقع أنني سأعمل في مهنة غير الصحافة”.
 
على مقربة من دكان عبد الرحمن يقع في الحي نفسه دكان زميله عبد القادر الشاطر الصحافي في صحيفة “26 سبتمبر”: “هناك صحافيون كثر صاروا يعملون بعيداً عن مهنتهم بسبب ظروف الحرب؛ فمنهم من صار يعمل في بيع الشبس (البطاطس المقلية) أو يشتغلون على تاكسي. لقد صار للكثير مصادر دخل تدفع عنهم بؤس الحرب ويوفروا لعوائلهم ما يدفع عنها معاناة الفقر” يقول عبد القادر لـ”القدس العربي”.
 
متاعب جديدة
لا يعني أن لجوء الصحافيين اليمنيين إلى مهن أخرى قد أبقاهم بعيداً عن المتاعب، فمحدودية خبراتهم في المهن الجديدة ورؤوس أموالهم الصغيرة تجعلهم أكثر عرضة للهزات المالية نتيجة عدم استقرار الأسعار في السوق جراء الحرب، فبقالة الصحافي مرزاح العسل في حي الحصبة في صنعاء لم تستطع الصمود، بعد عام تقريبا من افتتاحها، في مواجهة عدم استقرار أسعار الدولار وارتفاع الأسعار المستمر ولأن رأسمال البقالة هو آخر ما تبقى له كونه باع سيارته لافتتاحها؛ فقد اضطر لبيع البقالة قبل تفاقم الخسارة. يقول مرزاح، وهو صحافي في “وكالة الأنباء اليمنية”: “استطعت بواسطة البقالة توفير إيجار السكن ومتطلبات عائلتي، إلا أن عدم استقرار الأسعار اضطرني لبيعها حفاظاً على رأسمالي الوحيد، وأنا الآن أريد شراء سيارة تاكسي كمشروع بديل أعيش منه”.
 
وكان رياض الزواحي، الصحافي في صحيفة “الجمهورية” قد افتتح محلاً لبيع مستلزمات الهواتف المحمولة في صنعاء بعد وقت قصير من بدء الحرب، في محاولة منه لمواجهة تداعيات الحرب ككثير من زملائه؛ إلا أن دكانه كبعض زملائه، أيضاً، لم يحقق النجاح المرجو ما أضطره لإغلاقه.
 
خيارات
لا تقتصر معاناة الصحافيين من الحرب على منطقة يمنية دون أخرى؛ فكل مناطق البلاد لم تعد بيئة آمنة للعمل الصحافي ما أضطر الصحافي رضوان فارع، في مدينة عدن إلى العزوف عن المهنة خلال الحرب، وافتتح كافتيريا لبيع العصائر والوجبات الخفيفة. يقول رضوان لـ “القدس العربي”: “لم أتوقع أنني سأضطر لتغيير حياتي المهنية، ولم أستطع أن استوعب، حتى اللحظة، أن عملي خلال عقدين قد انتهى إلى لا شيء. الصحافة التي كانت تملأ حياتي أجدها اليوم سراباً وسط الحرب في اليمن ما جعلني أفكر بخيارات أخرى متحدياً واقعا موحشا؛ ففتحت كافتيريا صغيرة تقدم خدمة العصائر الطبيعية والوجبات الخفيفة؛ وعندما بدأتُ كانت هناك مخاطر كثيرة كون عدن حينها لم تستقر، كما أن المشروع لشخص مثلي عمل صحافياً لمدة 12 عاماً.
 
 وعلى الرغم من ذلك أقول إنني نجحت في مهنتي الجديدة، وكل يوم أحب عملي الذي يوفر لقمة عيش كريمة تجعل مني صحافي حرب يبيع العصائر بدلاً من كتابة الأخبار والقصص الإنسانية لصالح جماعة ما أو حزب أو جهة خارجية”. ويتحدث رضوان عن واقع الحرب وما يعتقد أن الصحافة قد أسهمت في تعقيده، ويقصد بذلك صحافة أطراف الحرب، مشيراً إلى “أن ثمة صحافيين أثروا من العمل في هذه المهنة لكن على حساب الحقيقة والوطن والإنسان من خلال عملهم مع الحرب وأطرافها وأهدافها داخلياُ أو خارجياً، لكنهم قلة مقارنة بغالبية كبيرة ترفض الحرب ويسحقها العوز وتكابد الفقر والخوف”.
 
كما أن كافتيريا رضوان، وهو صحافي في “وكالة الأنباء اليمنية” تعدّ من التجارب الناجحة للصحافيين اليمنيين العاملين في مهن أخرى خلال الحرب، حيث صارت هذه الكافتيريا الواقعة في خور مكسر في عدن، كما يقول، تغطي مصروفات 12 عاملاً “فيما العمل الصحافي لم يكن يغطي احتياجاتي وإيجار مسكني”.
 
معاناة تتغير المهنة
ويعتقد أمين عام نقابة الصحافيين اليمنيين محمد شبيطة أن انتقال الصحافيين اليمنيين إلى مهن أخرى هو شكل مؤلم من أشكال المعاناة التي يعيشونها جراء الحرب التي أغلقت المنابر وقطعت الرواتب وضيّقت الحريات، ونتجت عن ذلك أشكال مختلفة من المعاناة للصحافيين، وصلت لمستويات لم نكن نتصورها؛ فعلى مستوى الانتقال لمهن أخرى فقد صار هناك صحافيون يعملون في مجالات عديدة، وهم بذلك، وإن كانوا أوجدوا مصادر دخل لعوائلهم، وهذا شيء جيد، إلا أن معاناتهم لا تتوقف؛ فمعاناتهم النفسية في التكيف مع الواقع الجديد ومحاولة نسيان مهنتهم وواقع بلادهم ليس بالأمر الهين عل حد تعبيره. ويقول لـ”القدس العربي”: 1500 صحافي يمني هم المسجلون في قوائم النقابة جميعهم يعانون أوضاعاً صعبة للغاية”.



يمكنك زيارة الخبر الاصلي من هنا >> هذا الخبر المنشور بموقع اخبار اليمن جرى نشره من موقع مسند للانباء

أضف تعليقـك