منوعات

ابن رشد… الغريبُ الذي أقلق العقلانيةَ الغربيةَ

المشهد اليمني
مصدر الخبر / المشهد اليمني

يبدو لي أنّ كلّ ما كتبه الباحثون العرب عن فلسفة ابن رشد (ولد في قرطبة سنة 1126، وتوفّي في مرّاكش سنة 1198) لا يرقى وجاهةً إلى مرقى كتاب الباحث الفرنسي جون باتيست برينيه المعنون بـ»ابن رشد المُقْلِق» (نشر لي بيل ليتر ـ باريس 2015)، من حيث هو جهدٌ بحثيٌّ انتصر فيه لأفكار ابن رشد، وذَكَر فيه أسباب رفضها من قبل مفكّري العصر الوسيط اللاتيني، اليهوديّ والمسيحيّ، (وعلى رأسهم اللاهوتي توما الأكويني)، وأكّد فيه بالحُجّة مساهمتَها في التأسيس لعصر النهضة الأوروبية. تضمّن الكتاب ثلاثة عشر فصلا مشفوعة بجدول تلخيصيّ وهي: «المُتَّهَم»، و»الغرابة المُقلِقة»، و»المُنوَّم مغناطيسيًّا»، و»العين المُستأصَلة»، و»انتصار وثأر»، و»سيّدة تستجديني»، و»أن تكون جِدارًا»، و»الرجل الممسوس»، و»موضوعان ورَجُلان»، و»مرآة مشوَّهة»، و»واحد للجميع: الخلط بين الكائنات ونقل الأفكار»، و»أنا، الله: القدرة الكلية للأفكار»، و»الفكرة والتكرار والموت». وفي كلّ فصل منها اجتهد الباحثُ ليرسم مشهدًا من مشاهد رحلة الفكر الرشدي داخل أوروبا.

يُعدِّدُ الباحث جون باتيست برينيه النعوت التي خصّ بها فقهاء اللاهوت المسيحي ابن رشد، ويذكر في هذا الشأن أنهم وصفَوه بصفات ساخرة من قبيل «الشيطان»، و»الكلب المسعور»، و»سادن الجحيم»، و»الملعون»، و»أسوأ الملحدين»، وهي صفات وردت خاصّة بكتب توما الأكويني وأتباعه. غير أنّ النقد الغربي اللاتيني لم يقدر رغم قوّته على إخماد أفكار ابن رشد، ولم يمنعها من الاستشراء بين بعض مفكِّريه، ابتداء من القرن الثالث عشر ميلاديا، بل إن أفكار ابن رشد هي التي صنعت لها أتباعًا يؤمنون بها ويدافعون عنها على غرار الشاعر الإيطالي غويدو كافلكانتي (1250- 1300) الذي تأثّر بأفكار ابن رشد في تقديمه لإحدى قصائده بقوله إنّها «موجَّهة للفلاسفة فقط، أما ناسُ العامّة فعليهم أن يعبروا من حولِها بدون الغوص فيها»، وهو قول ابن رشد ذاته في حديثه عن التأويل، من جهة كونه أمرًا خاصًّا بالعلماء، ويجب ألا يُتَوجّه به إلى العامة لأنه يُفسدها. وفي نهاية القرن الثالث عشر ظهر ابن رشد في باريس عبر تجرؤ بعض الأساتذة الجامعيين على تدريس أفكاره لطلبتهم، ومن هؤلاء نجد سيجر دو برابان، وبويس دو داشي.

 

تقوم فلسفة ابن رشد، على حدّ ما يرى جون باتيست برينيه، نقيضًا للكوجيتو وهدمًا لأساساته، قبل أن يعلن عنه ديكارت في بداية القرن السابع عشر (نُشير هنا إلى أنّ مقولة الكوجيتو الديكارتيّ «أنا أفكّر إذن أنا موجود» هي إعادة صياغة لقولة الإسباني غوميز بيريرا التي ذكرها سنة 1554 في قوله «كلّ الذين يعرفون موجودون، أنا أعرف، فأنا موجود»).

وصورة ذاك الهدم هي أن ابن رشد قد ذهب في حديثه عن العقل إلى القول إنّه حقيقة ذاتية خارجة عن الإنسان. فالبشر أجساد، وفوقهم يوجد العقل الواحد الأوحد، الذي هو «غير مخلوق ولا يعتريه الفناء وواحد في الناس جميعًا». ويشرح ذلك بأنّ هناك عقلا خارجيا يُفكر بالإنسان وفيه: إنه يستخدم تمثلات الإنسان عن العالَم وتجاربه فيه كجسرٍ لتحرير المنطِق الذي به يكون الإنسان إنسانًا. وتلخيص ذلك هو أنّ الإنسان يتكوّن من الرّوح الحسيّة الفردية، التي تمتدّ وتتصل بالجسد وَفْقًا لطبيعة وجوده. والعقل الفاعل أو الممكن هو مادّة منفصلة وخالدة، منفصلة عن الجسد وواحدة بالنسبة إلى كلّ الناس وليست شكلا مادّيا للجسد، ولها وظيفة استخلاص المبادئ العامة لدى الإنسان. وتحصل المعرفة الفردية عند الإنسان بواسطة الصور الشخصية، وهذه المعرفة تسمّى «العقل التخميني» الذي هو فرديّ وقابل للإلغاء من جهة اتحاده بالصور. وعندما تحصل المعرفة الإنسانية، يتّحد العقل التخميني بالعقل الفاعل، وهذه الحالة هي التي يتحقّق فيها النعيم المطلق للإنسان.

وقد جعلت هذه الأطروحة ابن رشد مفكّرا مرغوبًا فيه لدى فلاسفة الغرب ومنبوذا لديهم في الآن نفسه، وربما تأتّت غرابة فكره من جهة كونه لا يقف على حدود فضاء العقلانية الغربية، وإنما هو يخاطبها من داخلها، ويزعِجها وهو مقيم فيها مثل كابوس، وهذا ما جعل تلك العقلانية ترفضه، ولكنها لا تقدر على التخلّي عنه في الآن نفسه: أي هو ذاك الذي لا يني يقلق العقل الغربي، يختفي في لحظة ليظهر في أخرى، في شكل لعبة من التكرار، لطالما أزعجت العقلانية الغربية، وأثّرت كثيرا في السكولائية الناشئة في أوروبا آنذاك، وخلقت له تلامذة هم آباء الحداثة الغربية على غرار سبينوزا ونيتشه وماركس، الذين وجدوا في تأمّلاته العقلية فضاء عالميّا للأجساد المتخيِّلة.

فالعقل بالنسبة إلى ابن رشد أزلي، لم يُخلق مع الإنسان: هو موجود خارجه، وبالتالي لا يدخل العقل في تعريف الكائن البشري، إنّ الإنسان تكوين منفصل عن العقل، أي هو كائن متخيِّلٌ: هو حاوٍ لصور خادمة للعقل، ومن ثمّ فالإنسان ليس فاعلا في العقل، وإنما هو موضوع له، وفي خدمته. وكلّ شيء عقلي يُنجز خارج الإنسان. وكلّ فكر يُبنى انطلاقا من مجموعة صور، والصور هي التي تختلف من شخص إلى آخر، وبسبب ذلك تختلف أفكار الناس، بل إن كلّ شيء، بما فيه المادّة، له رغبة في التحقّق الحيوي الفاعل، يفعل ذلك عبر التشبّه بالله. ولأن العقل لا يستطيع استقبال كل الصور في الآن نفسه، فإنه يُلغي دوما بعض الصور ويبحث عن أخرى بما يضمن استمرار الخيال. ولذلك ترتبط العقلانية عند ابن رشد بالخيال والحلم، وحتى بالوهم الصوفي أحيانًا، ذلك أنّ كلّ إنسان إنّما هو فضاء احتمالي، فضاء لما هو غير متوقّع. ويذهب ابن رشد في هذه التأمّلات إلى القول بإمكانية اتحاد الإنسان بالله، ويعني بذلك تحصيل الإنسان القدرة على افتكاك قوّة الذكاء واستثمارها إلى حدودها القصوى، فنحن كائنات مفكّرة بالقوّة، ونحتاج إلى الجسد للتفكير، والسبيل الوحيدة لتحقيق ذلك هو تجربة التخييل وتصنيع المفاهيم انطلاقا من رحلتنا التخييلية، وبقدر ما نذهب في التخييل بعيدا نتخلّص من صورنا الجسدية المادية، ونبلغ مرحلة الحبّ الإلهي أو الحلول فيه على حدّ قول الصوفية. وفي هذا المنحى يمكن تنزيل قول ابن رشد إنّه صوفيّ طالما أنه يسعى إلى بلوغ الحقيقة المطلقة التي هي الله.

وقد أثارت هذه الفرضيات حفيظة مفكّري الغرب وأخافتهم من إمكان أن تسبّب للناس اهتزازًا في ثقتهم بأفكارهم الإيمانية، ولعلّ من أشهر نقّاد ابن رشد هو اللاهوتي توما الأكويني (1225 ـ 1274)، الذي دخل في سوء فهم أنطولوجي لأفكار هذا الغريب العربيّ، ونشر كتابه «الخلاصة اللاهوتية»، ومنه الجزء الذي بعنوان «الخلاصة ضد الكفار» (ويعني ابن رشد)، وقد سعى فيه إلى تفنيد المقولات الرّشديّة، حيث وجد في قول ابن رشد بفصل العقل عن الإنسان أنه سعيٌ إلى اقتلاع عين الإنسان ذاته ليظلّ أعمى (بلا عقل)، بل إنه اعتبر تجربة ابن رشد العقلانية عبارة عن خِصاء للإنسان عبر تجريده من العقل، إذْ كيف يكون هناك عقل واحد يفكّر لكلّ الناس؟ فلو كان ذلك صحيحا لتشابهت أفكار البشر، رغم تناقض طبائعهم: الطفل والشيخ، القاتل والقتيل، السيد والعبد، المسيح ويهوه، الرجل والمرأة… ويرى الأكويني أنّ كلّ شيء وقع التفكير فيه قبل الإنسان، ولا أحد يمكن أن يشارك في فعل التفكير بوصفه فعلا متعاليا، وبالتالي لا يمكن أن نتخيّل، وأن نجرّد العالَم كما قال ابن رشد.

وعلى كثرة الطعون التي وجّهها توما الأكويني لفكر ابن رشد، فإنّه متح منه، وفق ما يذكر جون باتيست برينيه، عناصر تفكيره لبناء نظريته اللاهوتية المسيحية حول التوفيق بين الفلسفة واللاهوت، اي بين الشريعة والعقل، وهو ما اشتهر به ابن رشد، بل إنّه اقتبس منه ما يزيد عن خمسمئة اقتباس، لا بل اعتمده نموذجًا في التفكير. وما يخلص إليه كتاب جون باتيست برينيه هو القول إنّ أفكار ابن رشد مثّلت مُدوّنةً من المدوّنات التي أسّست للعقلانية الغربية وللنهضة الغربية ذاتها، وإنه يجوز القول إنّ الفكر الغربي قد تكوّن عن طريق هضم فكر ابن رشد، ذلك أنّ نهضة الغرب استفادت من الفكر الموجود خارجها: أي من فكر ذاك العربيّ الغريب المقلق.

 

عبدالدائم السلامي

٭ كاتب تونسي
 

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

أضف تعليقـك