اخبار الرياضة

مهمة سرّية لعلي المقري في "بلاد القائد"!

يذهب الروائي الشهير من حيث يقيم إلى “عراسوبيا” المشهورة بـ “بلاد القائد”، حتى نسي سكانها اسمها الأصلى، في إطار لجنة تهدف إلى إخراج كتاب لمديح قائد البلاد التي تنسب إليه، وتبجيله، عرفت باسم “لجنة تأليف سيرة القائد”، تضم شعراء وروائيين وكتاباً من “بلد القائد” تاركاً خلفه، في هذه “المهمة السرّية”، زوجته سماح تصارع مرض السرطان وحدها، كما الفقر، فهو يجد في هذه الفرصة انتعاشة مالية له ولزوجته، هما في أمس الحاجة إليها.

والشخوص الأساسيون في رواية “بلاد القائد”، جديد الروائي اليمني علي المقري، الصادرة حديثاً عن منشورات المتوسط في إيطاليا، هم أدباء وشعراء وموظفون إداريون يعملون في إطار اللجنة التي تعد للكتاب، بينما هو الوحيد بينهم من استجلب من خارج “بلاد القائد”، بناء على توصية من ابنته “الشيماء”، كما يكتشف لاحقاً.

 

ويجد الروائي الباحث عن المال نفسه محاصراً في مكان إقامته هو وأمواله (بيت الضيافة)، بحيث لم يكن قادراً على تحويلها أو جزء منها إلى زوجته، أو الاستمتاع فيها حتى، في حين يلتقي باستمرار مع أعضاء اللجنة لاختيار الكلمات المناسبة للزعيم المبجّل، الذي ينتهك وابنه كل الحقوق الأساسية والبسيطة لأبناء شعبه .. هذا الشعب المغلوب على أمره، والذي يتماهى مع حالة تقديس “القائد” التي تقترب من حد التأليه.

 

“أعطوني في اليوم الأول الذي وصلت فيه ألف ورقة من العملة الوطنية فئة المئة، المزينة بصورة القائد، كمصروف جيب. فكّرت للوهلة الأولى بإرسال المبلغ أو جزء منه لسماح لتوفّر به العلاج، لكنني عرفت من فاطمة وأبيها أن الإرسال صعب، بل وغير ممكن. لم أكن أدري كيف سأصرفه، فيما أنا ممنوع من الخروج من بيت الضيافة، أو بالأصح على ماذا سأصرفه، فلا مجال هنا لتحقيق الرغبات سواء مع المال أو بدونه، وكأن كل الرغبات مخالِفة بالطبع لشروط تحققها، بما فيها رغبتي بأن أنجز كتابة السيرة في وقت أسرع، فمن الضروري، حسب ما نبهني أبو اليمن، ترديد القول إن كتابة السيرة ستكون صعبة وغير مكتملة حتى وإن اكتملت، إذ هي تتحدث عن معجز عظيم صعب الإلمام بحياته وإعجازاته، تتحدث عن القائد، الملهم الأكبر، وزعيم الزعماء”.

 

و”أبو اليمن”، هو شاعر شهير يعد الأبرز، أو من أبرز الأدباء في “بلاد القائد”، وهو أحد الموالين الطائعين للقائد، مثله مثل “الأحمد”، وغيرهما.

 

وبينما كان الروائي في الرواية، والذي يحمل الاسم الحقيقي لكاتبها (علي)، وأبو اليمن الذي هو أيضاً زميل القائد في المدرسة صغاراً، وبقية أعضاء لجنة كتابة السيرة الذاتية للقائد، تطفو على السطح الالكتروني قصة المدونة “الحالمة بموت الرئيس”، وهي تنشر ما تسميها أحلاماً عن القائد، تثير حفيظته والمحيطين به، مع أن والدها هو “الأحمد” أحد رجالات القائد .. تتمكن “الحالمة” من الهرب إلى بريطانيا ثم اللجوء إلى بنسلفانيا، “حيث صار بإمكانها أن تتجرأ، وتواصل أحلامها وتنشرها، وهذا ما لا يمكن تحققه في بيروت، حيث يسهل على أعوان القائد الوصول إليها”.

 

وفي حديثه عن بيروت، فإن المقري يوحي بأن “عراسوبيا” هي سورية، وأن “القائد” هو زعيمها الحالي أو ربما ابن زعيمها السابق، فهو في كلتا الحالتين دكتاتور طاغية، كونه تحدث عن دكتاتورية القائد وابنه، كما كان أشار إلى أن الروائي الذي في مهمة سرية مصري أو مقيم في القاهرة، كما أن الوسيط ما بين الروائي ولجنة إعداد الكتاب في “بلاد القائد” كان الشاعر “محمدين”، وهو اسم مصري صرف، وكان وزيراً سابقاً ومستشاراً للقائد، ما يحيل القارئ إلى تأويلات أخرى حول ماهية “عراسوبيا” التي كانت تعرف قبل تسميتها بـ”بلاد القائد” باسم “بلاد الثورة”، والتي تنطبق بأحوالها وتقلباتها ما قبل وبعد الثورة على العديد من البلدان العربية كسورية، والعراق، والجزائر، والسودان، واليمن، ومصر، وتونس، وغيرها ربما.

 

ومع الخروج بمقترح عنوان الكتاب “العقد الجمان في سيرة المبجل الهمام”، تكون انطلقت شرارات لثورات في دول مجاورة، كانت ردة فعل المعتز ابن القائد تجاهها واثقة، مشدداً على أن “بلاد القائد” مهما حدث حولها ستبقى في “أمان”، وهو الموقف الذي كانت عليه القيادات التي قتل بعضها، وسجن أو فرّ بعضها الآخر، من زعماء العرب.

 

وتحدث الثورة في “عراسوبيا”، ولا ينجح “المعتز” ابن “القائد” في تلبية مطالب الثوار، ومن بينهم الخمسينية أم محمد زوجة طباخ بيت الضيافة، التي تصف القائد بالمعتوه، فيقتل “القائد”، بعد اختفاء، وتضارب في الأنباء حول مصيره، وبعد إزهاق أرواح الكثير من الشباب، بينهم أبناء من كانوا مقرّبين أو يعملون لدى “القائد”، في حين يتحول “بيت الضيافة” إلى ملجأ إلى عدد من الثوار، الذين انضمت إليه “الحالمة” وواصلت كتاباتها مناضلة بطريقتها في صفوف الثوار.

 

“حكايات القادمين الجدد إلى بيت الضيافة كانت مهولة، وبعضها لا تصدق. فقد جاؤوا بعشرة أشخاص ليملؤوا أربع غرف، كانت متبقية في الدور الأسفل. قالت نازك إنهم مساجين فرّوا من جزيرة الموتى، والتي هي بمثابة سجن كبير. تم تسميتها هكذا، لأن الذين يحكم عليهم بالنفي، ويذهبون إليها، لا يعودون أبداً”.

 

كان كل ما يشغل الروائي بعض التوتر الكبير في “بلاد القائد”، كيفية حصوله على بقية أمواله، والماهية التي من خلالها يمكنه مغادرة البلاد عائداً إلى زوجته المريضة، ومصير اللجنة التي غابت عن صفحات الرواية في ظل حالة “الغليان”.

 

ويمزج المقري في روايته هذه، التي أهداها إلى المترجم الطبي الفرنسي “عاشق اليمن” فرانك مريمييه، سواء على مستوى بناء شخصية “القائد” أو ابنه، أو حتى في نهايته، ما بين شخصيات لزعماء عرب عدة تعددت نهاياتهم ما بعد الثورات في بلدانهم، حتى على مستوى الاكتشافات التي فضحت ما كان يستر عورة “القائد” داخل أسوار قصوره.

 

والمتتبع لروايات المقري، يجد في “بلاد القائد” ما يسبح بعيداً عن رواياته السابقة التي غاصت في التاريخ اليمني بعمق وجرأة كبيرين، متناولة مواضيع غير مسبوقة كما في “حرمة” و”اليهودي الحالي” و”بخور عدني”، لكن على ما يبدو أن ما بات يعرف مجازاً بـ”أدب الثورات” جذبه بشكل أو بآخر، فخط رواية تحاكي الواقع العربي بشكل متخيل إلى حد ما، درجة الإبهام الذي يبدو مقصوداً هنا، دون تجاهل ذلك الدور “التواطؤي” الذي قد يلعبه بعض المثقفين مع “القائد” الديكتاتور، بإراداتهم أو تحت وطأة الظروف الصعبة.

 

وحديث التواطؤ هذا ما بين السياسي والمثقف محوري في رواية “بلاد القائد”، وهو أمر لم ينته بتغيّر نظام هنا أو هناك، في مرحلة ما بعد الثورة هنا أو هناك أيضاً، فشعراء أو صحافيو أو كتّاب البلاط والحاكم هم جزء أصيل من بنية الأنظمة الشمولية، ويتغيرون بتغير الحكام، أو بانتهاء “مدة صلاحياتهم”، وهي قضية حديثة قديمة، يسلط المقري الضوء عليها من خلال شخصية الروائي الذي يحمل اسمه الأول، ويبحث في “رحلته السرية في مديح القائد” عن إنقاذ زوجته، لكنه يصل متأخراً.

 

نقلا عن الأيام

يمكن قراءة الخبر من المصدر الموقع اليمني من هنا

أضف تعليقـك