اقتصاد

نتائج كارثية.. صحافي فلسطيني: هل يغامر الفلسطينيون في إصدار عملة مشفرة؟

صحيفة اليوم الثامن
مصدر الخبر / صحيفة اليوم الثامن

في محاولة فلسطينية جادّة للانفكاك الاقتصادي عن الجانب الإسرائيلي، وإصدار عملة وطنية رقمية؛ أعلن رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد إشتية، في 9 تموز (يوليو) الماضي؛ أنّ حكومته بصدد استخدام عملة رقمية مشفرة لتجاوز العراقيل الإسرائيلية.
وأضاف إشتية، في كلمة خلال افتتاحه “مركز فلسطين للاستجابة لطوارئ الحاسوب”، في رام الله: “نحن في صدد الذهاب إلى العملة الرقمية والمشفّرة، وسنعمل على أن نكون من رواد كلّ شيء لا يستطيع الاحتلال أن يعرقلنا فيه”، إلا أنّ مختصين فلسطينيين رأوا أنّ هذه التصريحات سياسية أكثر من كونها اقتصادية، وأنّه من الصعب أن تقدم السلطة الفلسطينية على هذه الخطوة في ظلّ الأزمة المالية الخانقة التي تتعرض لها، ما سيدخلها في مجازفة كبيرة، ستكون نتائجها كارثية.

خبير فلسطيني: السلطة تستطيع الاستغناء عن بعض المنتجات الزراعية الإسرائيلية التي تشكل نسبة كبيرة من الواردات الفلسطينية

ولم تكن تصريحات إشتية هي الأولى؛ حيث تعهّد، عقب أدائه القسم القانونية، في 13 نيسان (أبريل) 2019، أمام رئيس السلطة، محمود عباس، في الظهور الصحفي الأول له، بالبحث عن عملات بديلة للشيكل الإسرائيلي للتعامل بها في الأراضي الفلسطينية.
وكانت الحكومة الفلسطينية قد قرّرت، في 6 شباط (فبراير) الماضي، تشكيل لجنة من الوزارات المختصة للبدء بإعداد الدراسات والمقترحات للشروع في خطوات فكّ الارتباط مع الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك تشكيل لجنة لدراسة الانتقال من استخدام عملة “الشيكل الإسرائيلي” إلى أيّة عملة أخرى، وإمكانية إصدار عملة وطنية.

وطالبت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، في شباط (فبراير) 2018، الحكومة بإعداد الخطط والمشاريع لخطوات فكّ الارتباط مع سلطات الاحتلال على المستويات؛ السياسية والإدارية والاقتصادية والأمنية.
وأقرّت اتفاقية باريس الاقتصادية، التي تعود للعام 1994، مهام البنك المركزي لسلطة النقد الفلسطينية، لكن من دون القدرة على إصدار عملات، وأوصى البروتوكول باستخدام الشيكل، وأعطى لإسرائيل حقّ الاعتراض على أيّة عملة فلسطينية.

وتحدّث محافظ سلطة النقد الفلسطينية، خلال الاجتماع السنوي للبنك الأوروبي لإعادة الأعمار والتنمية في قبرص، في أيار (مايو) 2017؛ أنّ مسؤولين فلسطينيين يخططون لأن تصبح للأراضي الفلسطينية عملتها الرقمية الخاصة بها، خلال خمسة أعوام، في إجراء يهدف لتوفير الحماية ضدّ التدخّل الإسرائيلي المحتمل، وأنّ العملة الرقمية الجديدة ستحمل اسم “الجنيه الفلسطيني”.

ويستخدم الفلسطينيون في تعاملاتهم اليومية “الشيكل الإسرائيلي” كعملة رسمية مفروضة عليهم بحكم الأمر الواقع، إلى جانب الدينار الأردني، والدولار الأمريكي، واليورو الأوروبي.

تلويح سياسي
بدوره، استبعد أستاذ الاقتصاد في جامعة النجاح الوطنية، بكر إشتية، تطبيق قرار رئيس الوزراء الفلسطيني بإصدار عملة رقمية خلال هذه المرحلة، مستدركاً بأنّ “هذه التصريحات سياسية أكثر من كونها اقتصادية، وهي تلويح وردّ فعل سياسي من قبل السلطة الفلسطينية لبعض الدول الراعية للاتفاقات الموقعة بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، بضرورة التدخّل ولجم الانتهاكات الإسرائيلية ومواقفها المعادية اتجاه الفلسطينيين”.

ويضيف إشتية، في حديثه لـ “حفريات”: “العملة الرقمية تحتاج إلى وجود قاعدة نقدية وبنك مركزي واحتياطي نقدي قوي، كما هو الحال في المملكة العربية والسعودية ودولة الإمارات، اللتين تتجهان نحو إصدار عملة رقمية يتوفر لها غطاء نقدي حقيقي، موجود في البنك المركزي لهاتين الدولتين، وهو ما تفتقر إليه السلطة الفلسطينية؛ حيث إنّ غطاءها النقدي لا يتجاوز 635 مليون دولار، وهو لا يكفي في حال تعرضت العملة الرقمية الفلسطينية التي يجري التطرق لها لهزة أو أزمة نقدية مستقبلية”.

ولفت إلى أنّ “السلطة الفلسطينية تهدف من وراء إصدار عملة رقمية؛ للانفكاك النقدي عن عملة الشيكل الإسرائيلية، لكن يصعب تنفيذ هذا الانفكاك بهذه الطريقة التي أعلن عنها الجانب الفلسطيني، مبيناً أنّ على السلطة الفلسطينية التقليل من حجم التداول بعملة الشيكل؛ حيث تصبح جميع المدفوعات الفلسطينية بالعملة الرقمية بدلاً من الشيكل الإسرائيلي”.

انعدام الخطط والسياسات الفلسطينية
وعن دور بروتوكول باريس الاقتصادي في السماح للسلطة الفلسطينية بإصدار عملة فلسطينية رقمية، يقول إشتية إنّ “بروتوكول باريس يعطي الجانب الفلسطيني الحقّ في إصدار عملة وطنية بشرط موافقة الجانب الإسرائيلي، لكنّه في الوقت نفسه يلزم السلطة الفلسطينية بالتعامل بعملة الشيكل الإسرائيلي، مستدركاً بأنّه في حال انتهت الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية مع إسرائيل، سينتهي الحديث الفلسطيني عن إصدار أيّة عملة نقدية رقمية، لعدم وجود خطط وسياسات فلسطينية للاستمرار في إصدار أيّة عملة رقمية في المرحلة الحالية”.

ويرى إشتية أنّ الأسواق الفلسطينية تعاني من وجود كتلة نقدية هائلة من الشيكل، من خلال وجود 170 ألف فلسطيني يعملون داخل إسرائيل؛ حيث تجري التحويلات النقدية لهم بشكل ورقي، كما تقوم إسرائيل بإرسال أموال المقاصة للجانب الفلسطيني بعملة الشيكل، وتقوم السلطة الفلسطينية أيضاً بدفع مستحقات المحروقات والكهرباء، وغيرها، إلى الجانب الإسرائيلي بعملة الشيكل، “وهذا دليل يؤكد أنّ إلغاء العمل بعملة الشيكل الإسرائيلية يعدّ مستحيلاً، ويستطيع الجانب الفلسطيني التخفيف من الاعتماد على هذه العملة، وتقليل حجم الواردات من الاحتلال الإسرائيلي”.

خيارات محدودة
وأوضح إشتية؛ أنّ “العملة الرقمية الفلسطينية ستعزز فائض الشيكل الإسرائيلي داخل الأسواق والبنوك الفلسطينية، وللتخلص من هذا الفائض؛ لا بدّ من تحويله إلى عملات أخرى، إلا أنّ ذلك يتطلب موافقة إسرائيل على دخول تلك العملات إلى السلطة الفلسطينية، بالتالي؛ فرض عمولات مرتفعة جداً على إدخالها”.

وبسؤال إشتية عن الخيارات المتاحة أمام السلطة الفلسطينية للبحث جدياً في إصدار عملة نقدية رقمية، يقول: إنّ “الخيارات أمام السلطة محدودة جداً، ولا بدّ للجانب الفلسطيني من تفعيل المقاومة الشعبية، وهي الوسيلة التي من شأنها أن تشعر الاحتلال الإسرائيلي بأنّ هناك خطراً يتهدد أمنه، في حال أقدم على أيّة أعمال من شأنها التأثير على السلطة الفلسطينية؛ وذلك باعتبار أنّ الوضع الحالي الذي تمرّ به القضية الفلسطينية يحتاج إلى قرارات مصيرية، ومن بينها الدعوة إلى فتح بروتوكول باريس من جديد، والعمل على تعديل بعض بنوده، كي تشعر إسرائيل بأنّ هناك ردود فعل فلسطينية حقيقية، وليست تلويحات وشعارات غير مجدية سياسياً واقتصادياً”.

نتائج كارثية
مدير معهد أبحاث السياسات الاقتصادية “ماس”، سمير عبد الله، يقول لـ “حفريات”: إنّ “وضع السلطة الفلسطينية المالي في الوقت الراهن لا يمكّنها من الإقدام على إصدار عملة رقمية مشفَّرة، ومن الممكن أن تكون هذه الخطوة قابلة للتحقيق في حال قامت البنوك الأردنية في فلسطين بتقديم ضمانات لإصدار هذه العملة، إلا أنّ ذلك قد يدخلها في مجازفة كبيرة مع تراكم ديون السلطة الفلسطينية الخارجية، التي تقدر بمليار ونصف المليار شيكل، إضافة إلى الديون الداخلية، وهي أسباب مجتمعة تمنع السلطة الفلسطينية من الإقدام على إصدار أيّة عملة نقدية رقمية”.

يستخدم الفلسطينيون الشيكل الإسرائيلي كعملة رسمية مفروضة عليهم بحكم الأمر الواقع إلى جانب الدينار الأردني والدولار الأمريكي واليورو

ويعتقد أنّ إسرائيل لن تتأثر بإصدار السلطة الفلسطينية أيّة عملة رقمية مشفرة؛ لأنّ نتائجها ستكون كارثية على الجانب الفلسطيني”، مبيناً أنّ “التفكير في إصدار مثل هذه العملة يتطلب أن يكون لديها اقتصاد قوي ونشط، وقدرة على تغطية هذه العملة باحتياطي كالذهب والنفط، وهو ما لا يتوفر لدى الجانب الفلسطيني، الذي يعاني أزمة مالية وديوناً داخلية قصيرة الأجل؛ كمستحقات الموظفين، وصندوق التقاعد، وغيرها”.
وتابع عبد الله: “العملة الرقمية الفلسطينية قد تتعرض لتدخلات خارجية، وهي في حاجة إلى جهود فنية، لضمان عدم التزوير والتلاعب فيها، في ظلّ سيطرة الغرب على الشبكات الإلكترونية حول العالم، وهذا قد يتسبّب بأن تلجأ بعض الدولة المعادية للسلطة الفلسطينية للتدخل في الإدارات التي تتحكم في هذه الشبكات الإلكترونية، وتدفعها لمنع التعامل بهذه العملة الرقمية”.

التحرّر الاقتصادي عن إسرائيل
ولفت إلى أنّ “اتفاقية أوسلو أعطت السلطة الفلسطينية حرية التجارة مع العالم الخارجي والتعامل مع الواردات والصادرات الفلسطينية بالمثل مع الجانب الإسرائيلي، عبر موانئ ومطارات الأخيرة، إلا أنّ ذلك لم يجرِ تطبيقه على أرض الواقع، وبقيت الإجراءات الإسرائيلية؛ كالفحص الأمني، وتكاليف التأخير والتحميل على السلع والبضائع، عوامل تعطل التجارة الفلسطينية مع العالم الخارجي، رغم التطور الجزئي في التجارة الفلسطينية مع دول العالم، والذي أدّى إلى انخفاض الميزان التجاري الفلسطيني مع إسرائيل من 95% إلى 85%”.

وعن الخطوات التي يجب على السلطة الفلسطينية اتخاذها للتحرر اقتصادياً من الجانب الإسرائيلي، يقول عبد الله: “على السلطة تقليص الاعتماد على الجانب الإسرائيلي؛ من خلال زيادة الصادرات، وتقليل وارداتها من إسرائيل”، مبيناً أنّه “بحسب الإحصائيات الإسرائيلية فإنّ أكثر من نصف البضائع التي تدخل الأسواق الفلسطينية ليست منتجات إسرائيلية 100%، وهي بضائع يستوردها التجار الإسرائيليون، ومن ثم يتم تصديرها إلى التجار الفلسطينيين، ويمكن تجاوز هذه المعضلة باستيراد هذه البضائع من مصادرها بصورة مباشرة، دون الاعتماد على الجانب الإسرائيلي”.

وبيّن أنّ “السلطة الفلسطينية تستطيع الاستغناء عن بعض المنتجات الزراعية الإسرائيلية، التي تشكل نسبة كبيرة من الواردات الفلسطينية؛ من خلال تشجيع المزارعين الفلسطينيين على زراعة هذه الأصناف داخل المناطق الفلسطينية، لسدّ العجز فيها، وهو الأمر الذي يمكّن الجانب الفلسطيني من ضبط التجارة مع إسرائيل، وجباية الجمارك المستحقَّة عليها، والتي تذهب حالياً إلى خزينة سلطة الجمارك الإسرائيلية”.

يمكن قراءة الخبر من المصدر موقع اليوم الثامن من هنا

أضف تعليقـك