اقتصاد

قرار عدم التعامل مع الإصدار النقدي الجديد وتداعياته على الشأن الاقتصادي في اليمن

يواجه اليمن أسوا أزمة إنسانية في
العالم حيث يفتقر معظم السكان في اليمن إلى الغذاء والدواء الكافي ويتعرضون لأنواع
شتى من الامراض والاوبئة التي يموت بسببها المئات شهريا ويقف عشرة مليون مواطن
يمني على بعد خطوة واحدة من المجاعة[1] في حين يعاني ربع سكان اليمن من سوء التغذية
معظمهم يعانون من سوء التغذية الحاد.

وفي ظل هذه الوضع الإنساني المتردي
جراء الحرب التي يتجاوز عمرها أربعة أعوام فقد تشكلت حالة من الفوضى الاقتصادية
وسوء الإدارة وهشاشة في الخدمات وازدواجية في السلطات والصلاحيات دفع ثمنها
الاقتصاد اليمني بصورة عامة والقطاع الخاص على وجه الخصوص.

ونتيجة لكل ذلك فقد تراجعت الكثير من
مؤشرات الاقتصاد اليمني وأصيب الاقتصاد اليمني بالانكماش الحاد بنسبة تراكمية
للناتج المحلي الاجتماعي قدرها ٣٩٪ مقارنة مع ٢٠١٤م[2]
كما تأثر القطاع المصرفي بصورة مباشرة
وهو ما انعكس على سعر العملة وما نتج عنه من تضخم في أسعار السلع انعكس بشكل مباشر
على حياة الناس إذ أن ارتفاع سعر صرف الدولار بنسبة معينة ينعكس بصورة مباشرة على مستوى التضخم وارتفاع الأسعار.

ولعل
واحدة من أهم مظاهر تلك الفوضى الاقتصادية التي تشهدها اليمن القرارات العشوائية
التي تتخذها أطراف الصراع في قطاعات في غاية الاهمية كالقطاع المصرفي، واقحام
القطاع المصرفي في الصراع الدائر في اليمن اذ تستمر حالة الازدواجية في إدارة
البنك المركزي اليمني بين صنعاء وعدن ويتم إصدار قرارات تؤدي في مجملها إلى مزيد
من القيود على النشاط الاقتصادي وتفاقم التحديات.

ويشكل
القرار الأخير للبنك المركزي في صنعاء منع تداول الإصدار النقدي الجديد والبدء
بإجراءات استبدالها خطوة تقود إلى مضاعفة المعاناة التي يعشيها المواطن جراء الحرب
وتداعياتها السلبية وتنعكس مباشرة على حياة المواطنين اليمنيين لاسيما وأن اليمن
يعتمد على احتياجاته من الغذاء والدواء من الخارج بنسبة تفوق ٩٠ ٪ وبتكلفة تصل إلى
٢.٥ مليار دولار سنويا [3]، وبالمقابل
فإن الخطوات غير المدروسة التي اتبعها البنك المركزي في عدن والمتمثلة في
الاستمرار بضخ كميات من فئات الإصدار النقدي الجديد  من العملة لتغطية النفقات الحكومية قد ساهمت في
تراجع سعر الريال مقابل الدولار والعملات الصعبة الأخرى.

وبالتالي
فإن قرارات من هذا النوع تجعل حياة الملايين من الناس معرضة لخطر المعاناة جراء
عدم الحصول على الغذاء والدواء لاسيما إذا كانت العملة القديمة غير كافية لتلبية احتياجات
القطاع التجاري لمبادلتها بالدولار والعملات الصعبة الأخرى من أجل الاستيراد ناهيك
عن الخسائر الكبيرة التي سيتكبدونها جراء هذا القرار.

ونسعى
من خلال هذا الورقة ” تقدير موقف ” لاستعراض خلفية القرار وتداعياته
على الصعيد الإنساني والاقتصادي والسياسي وتقديم خلاصة لهذه القضية الهامة والتي
ستلقي بظلالها على مجمل التطورات الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة.

يعد استقرار العملة شرط أساسي لاستقرار
معاملات الناس في إطار النشاط الاقتصادي على مستوى البلد وأيضا في التعامل الخارجي
بين الدول، كما ان اضطراب سعرها يتسبب في حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي حيث
يخسر المتعاملين بها جزءا كبيرا من ثروتهم كما تتضخم أسعار السلع وتضطرب المعاملات
التجارية في الأسواق وينتج عن ذلك اختلالات في الشأن الاقتصادي ككل.

ولذا فإن أحد الوظائف الأساسية للبنك
المركزي في الدولة هو العمل على إدارة سياسة نقدية تعمل على استقرار سعر العملة
والحفاظ على التوازن بين العرض والطلب.

ونتيجة للحرب الدائرة في اليمن فقد
شهدت العملة اليمنية إضرابات متكررة حيث تراجعت بنسبة ١٤٣٪ [4]
 خلال الأربع السنوات الماضية، كما حدثت عدة
أزمات في العملة المحلية والأجنبية الامر الذي عكس ضعف السياسية النقدية القادرة
على إدارة القطاع المصرفي وفقا لمتطلبات السوق وما تتطلبه مقتضيات النشاط
الاقتصادي في البلد.

وبالإضافة إلى التراجع في سعر الريال
اليمني خلال السنوات الأربع الماضية فقد شهد الريال أزمات متعددة بعضها يتعلق بزيادة
الطلب على العملة المحلية لاسيما مع لجوء عدد كبير من المودعين إلى سحب إيداعاتهم من
البنوك وتحويلها إلى عملات أجنبية او إنفاق مدخراتهم لمواجهة تكاليف الحياة
المتزايدة جراء الحرب وتراجع مستوى الدخل.

ولمواجهة
تلك الظاهرة قام البنك المركزي اليمني في صنعاء في منتصف ٢٠١٦م بضخ كميات النقود
المحلية المخزنة لديه بمقدار ٤٠٠ مليار ريال بالإضافة إلى إعادة كمية النقود
المجهزة للإتلاف للتداول ورغم ضخامة المبلغ حينها إلا أن الاحتياج كان أكبر من الطلب المتزايد في السوق لاسيما عقب
قرار تعويم استيراد المشتقات النفطية من قبل سلطات صنعاء في يوليو ٢٠١٥م [5] بالإضافة
إلى تلف جزء كبير من العملة المحلية حيث ارتفعت حجم النقود التالفة إلى 18 مليارا 171 مليون
ريال خلال العام ٢٠١٤ فقط[6]، علما بأن
العمر الافتراضي للعملة المحلية هو ١٨ شهرا وكانت اخر عملية إصدار للعملة اليمنية
في ٢٠١٢م.

وأدت أزمة السيولة حينها إلى التحول
نحو السوق الموازية لبيع وشراء العملة بعيداً عن القطاع المصرفي حيث لجأ المضاربين
بالعملة إلى تخزين كميات كبيرة من النقود خارج البنوك.

وبالمقابل فقد قام البنك المركزي في
عدن بالإصدار النقدي الجديد خلال الأعوام ٢٠١٧م و٢٠١٨م لمواجهة تحديات شحة العملة
المحلية في السوق وتغطية عجز الموازنة وهي الخطوة التي واجهها البنك المركزي في
صنعاء بمجموعة من القرارات دفع ثمنها القطاع المصرفي حيث تعرضت البنوك وشركات
الصرافة لعمليات المداهمة والاغلاق ومصادرة كميات النقد من العملة المصدرة من قبل
البنك المركزي في عدن.

لقد مثلت الكتلة النقدية من الريال
اليمني التي تم إصدارها في عدن بمقدار ترليون وسبعمائة مليار ريال خطورة كبيرة على
الاقتصاد اليمني حيث زادت من حدة التضخم لاسيما وأن الإصدار النقدي لم يقابل
بزيادة في الحصول على النقد الأجنبي او تحسن في النشاط الاقتصادي يوازي كمية
النقود المصدرة. ولجأت الحكومة اليمنية في عدن إلى استخدام
الفئات المطبوعة من الريال اليمني لمواجهة النفقات المتزايدة للمرتبات لاسيما
مرتبات المنتسبين للجيش والامن حيث يشهد هذا القطاع تضخما كبيرا في أعداد
المنتسبين إليه في حين لا توجد آليات رقابة لترشيد تلك النفقات والتدقيق فيها.

وإجمالا فإن كل الخيارات الماثلة جراء
الشروع في تطبيق قرار منع التعامل مع الفئات الجديدة من الإصدار النقدي الجديد
الذي اتخذ مؤخرا مكلف ومن الصعب تطبيقه  لاسيما
في ظل الافتقار إلى مقومات التحول إلى العملة الالكترونية وأساليب الدفع والشراء
الالكترونية في اليمن، وقد سبق وتم اتخاذ خطوات مشابهة في السابق لم يحالفها
النجاح  ناهيك عن أنه يمهد الطريق نحو
سيناريوهات أكثر خطورة تتمثل في
الشروع بإيجاد عملتين متمايزتي القيمة في إطار البلد الواحد مع ما يمثله ذلك من
عواقب وخيمة على الاقتصاد اليمني، وينذر بخلق وضع اقتصادي وسياسي أكثر تعقيداً.

وسنحاول
من خلال التالي استعراض التداعيات والاثار لتلك القرارات:

عادة ما يكون دور البنوك المركزية هو
الحفاظ على سعر العملة من التدهور لكن وفق سياسيات مدروسة تعالج جوهر المشكلة بعيدا
عن ردود الأفعال وبالتالي فإن قرار منع الإصدار النقدي الحديث من العملة من قبل
سلطات صنعاء يعد قرارا مضرا بالعملة وسوف ينتج عنه تداعيات سلبية على كافة
المستويات الانسانية والاقتصادية والسياسية وغيرها ويمكن إيجاز أبرز تلك التداعيات
كالتالي.

أولا: التداعيات الانسانية:

ثانيا: التداعيات الاقتصادية:

ثالثا: التداعيات السياسية:

وخلاصة الامر فإن للقرار تبعات إنسانية
واقتصادية واجتماعية وسياسية ولذا فإنه لابد من النأي بالقطاع الاقتصادي عن الصراع
من قبل كافة الأطراف فالدخول في حرب اقتصادية سيكون ضحيتها المواطن اليمني بالدرجة
الاولى.

إن معالجة هذه القرارات تأتي في إطار
الحل السياسي الشامل الذي يفترض ان يتجه اليه اليمنيون بأقرب فرصة ممكنة اذ أن
استمرار الصراع الحاصل في البلد يقود إلى مزيد من حالة التدهور على كافة المستويات
ولا يوجد طرف كاسب باستثناء تجار الحروب والمنتفعين منهم.

وهنا لابد من التأكيد على ضرورة وجود
حل عاجل لتفادي مزيد من الخسائر الأكثر كلفة على المستوى الإنساني والاقتصادي
والاجتماعي والسياسي وما قد يترتب عليه من الدخول نحو مراحل أكثر عمقا من المجاعة
وتفشي للأوبئة القاتلة والكوارث.

ويقودنا استعراض التداعيات الكارثية لهذه
القرارات إلى التأكيد على ضرورة تحمل المسئولية القانونية والأخلاقية في العدول عنها
لما تسببه من إعاقة للنشاط الاقتصادي ومضاعفة المعاناة لحركة تنقل البضائع والسلع
والنقود بين المحافظات اليمنية في وقت يعيش فيه المجتمع اليمني أسوأ حالات الفقر
والركود.

ومن الاهمية بمكان إعادة التأكيد على ضرورة
العمل على توحيد قرارات السياسة النقدية وتحييد القطاع المالي والمصرفي من الصراع،
وتداول العملة الوطنية دون قيود وفي إطار تسويه تضمن اتباع سياسات مهنية لإدارة
السياسة النقدية والملف الاقتصادي برمته بحيث تكون مصلحة المواطن اليمني هي
المعيار الوحيد اثناء رسم السياسات واتخاذ القرارات.

[1] – خطة الاستجابة الانسانية، الصادرة عن مكتب
الامم المتحدة لتنسيق الشئون الانسانية بالنيابة عن الفريق القطري الإنساني
والشركاء، ص ٥.

[2] – اليمن تقرير موجز يرصد الاوضاع الاقتصادية،
صادر عن البنك الدولي، شتاء ٢٠١٩م، ص ٢ .

[3] – بيان للغرفة التجارية الصناعية في عدن صادر
بتاريخ ٢٤/١٢/٢٠١٩م شوهد بتاريخ ٠١/٠١/٢٠٢٠م.

[4]  مؤشرات
الاقتصاد اليمني، صادر عن مركز الدراسات والاعلام الاقتصادي في يناير ٢٠١٩م، ص .

[5]  –
الحوثيون يقررون تعويم أسعار مشتقات النفط، الجزيرة نت، بتاريخ ٢٨/٠٧/٢٠١٥م شوهد بتاريخ ٠٢/٠١/٢٠٢٠م، على الرابط : https://www.aljazeera.net/news/ebusiness/2015/7/28/الحوثيون-يقررون-تعويم-أسعار-مشتقات-النفط

[6]  انتشار
العملة التالفة والممزقة يربك اليمنيين، عربي ٢١، بتاريخ ٣٠/١٢/٢٠١٥م شوهد بتاريخ ٠٢/٠١/٢٠٢٠م، على الرابط: https://arabi21.com/story/879983/انتشار-العملة-الممزقة-والتالفة-يربك-اليمنيين

[7] – تعميم صادر عن البنك المركزي اليمني في عدن،
نشر في الشرق الاوسط بتاريخ ٢٤/١٢/٢٠١٩م، شوهد بتاريخ ٠٢/٠١/٢٠٢٠م، على الرابط : https://aawsat.com/home/article/2049951/«المركزي-اليمني»-يحذر-من-التعامل-بالعملة-الإلكترونية-الوهمية-للحوثيين

[8]  – بيان
الغرفة التجارية الصناعية في عدن، مرجع سابق

[9]  – اليمن
تقرير موجز يرصد الاوضاع الاقتصادية، مرجع سابق ص٢.

[10] – اليمن تقرير موجز يرصد الاوضاع الاقتصادية،
مرجع سابق ص٥.

يمكنك زيارة الخبر الاصلي من هنا >> هذا الخبر المنشور بموقع اخبار اليمن جرى نشره من موقع الخبر

اقسام فرعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى