اخبار اليمن الان

الساعات الأخيرة في حياة عفاش

أطل الزعيم علي عبدالله صالح صباحًا على زواره الوافدين إلى منزله الكائن بالثنية في قلب العاصمة صنعاء والمحاط بحي تجاري يعج بالنشاط ومطوق بمساكن ومتاجر، وله أربعة مداخل ترتبط بشوارع رئيسية فسيحة. المنزل أشبه بجزيرة من الأشجار والخرسانات أو أنه مجمع كامل من المباني والمرافق المختلفة من عيادات طبية، مسجد، مباني سكن، ساحات، وحدائق باتت اليوم هي ساحة قتال ضار.
المنزل أصبح كعبة من يريد أن يكون طرفا في الصراع الذي اندلع 2 ديسمبر وما زال حتى صباح هذا اليوم في أشد المعارك والقصف العنيف جدا، رأها أنها غزوة “الثنية” غير المرتقبة من قبل الحوثي وأنصاره ضد صالح وأتباعه، كان صالح على غير عادته لم ينم ولم يتباطأ في الخروج إلى الناس كما كان يفعل عندما تستدعيه الأوقات الحرجة، كانت البوابة مليئة بالوافدين مقاتلين ومناصرين ووسطاء بأسماء مشايخ ربما لم يلتقِ ببعضهم خلال عقود حكمه سوى مرة أو مرتين، وكان بينهم نفر قليل من الذين يحملون الأخبار الجديدة.

350 مقاتلا
في الثاني من ديسمبر علم الجميع أن صالح قد غادر منزله، وبات يعقد اجتماعا بالذين دعوا من وقت مبكر للقدوم إليه، وآخرون لا يمكن منع دخولهم، في أي وقت يأتون إلى “الثنية” بحكم موقعهم من قلب الزعيم أو في قيادة المؤتمر أو من أولئك الذين تستلزمهم المعركة لاستمرارهم في المناورة والمواجهة مع الحوثي، تأكد الزعيم أن أكثر من 350 مقاتلا قد توزعوا بدءا من منطقة جولة الرويشان حتى منزله أمام السفارة السعودية وشارع مجاهد وتقاطع الزبيري والقاع والمنافذ المؤدية بقيادة العميد الشهيد الحميدي المكلف بقيادة المواجهة دفاعا عن “الثنية”. انهمك بغضب نبيل الحلالي أحد حراسة الزعيم الذين أبدوا ولاء مطلقًا ومكث في السجن أكثر من 10 أشهر قبل إطلاقه في أواخر 2018 يسرد تفاصيل الاضطراب في معسكر السواد وقيادة الحرس الجمهوري 48 الذي أوشك على السقوط بين ساعة وأخرى، جاءته الأخبار بوصول اللواء مهدي إلى المعسكر ولديه حالة من نهوض الهمم، فقد تقاطر إلى المعسكر العشرات من المقاتلين خلال الساعة التالية من بث الخطاب.

أخطاء وخيانات
تم الاجتماع، صباح السبت، بعدد لا يقل عن مائتي مقاتل في مديرية سنحان، كلهم من سنحان وبني بهلول، وقالوا لمهدي مقولة: نحن مستعدون للقتال حيثما يطلب الزعيم، ولا نريد إلا أن تزودنا بالذخائر والسلاح الثقيل، إن لزم الأمر وقد جئنا من بيوتنا بسلاحنا. فقال لهم: كل شيء موجود، وكان التحرك إلى معسكر 48، وتم اقتحام البوابة، ووقع ضحايا من الجانبين، وفي وقت قصير تم دحر الحوثة بانسحاب مجاميعه، ربما بأمر من قيادتهم. ثم التف حولهم العسكر الذين كانوا بالداخل وشكلوا حراسة للمعسكر. وبدأ بعض الضباط بالتوافد وكانوا مستعدين لطلب كثير من الأفراد. وكان من بين الضباط العميد راشد الجنيه، والعقيد حميد النميري، والضابط: صالح النمر والعميد مراد العوبلي، وغيرهم كثير بالإضافة إلى قائد وضباط اللواء الرابع حرس جمهوري. قبل الظهر تم وصول ما لا يقل عن 500 فرد إلى المعسكر، أكثرهم تجمهروا ببوابة المعسكر، وكانو يطالبون بتسليحهم كونهم قد باعوا سلاحهم نظرًا للوضع المعيشي وانقطاع المرتبات. بالداخل اجتمع مهدي بالحاضرين ووجه بالمهام والقيادة لثلاثة أشخاص من قبائل خولان الذين اقتحموا المعسكر، ولم يعر الضباط اهتماما. توقف الضباط عن استدعاء أفرادهم بعد أن أصابهم مهدي بالإحباط بتعيين المشايخ قادة عليهم.
كذلك امتعض أبناء القبائل من تصرف مهدي وإعطاء تفويض غير منطوق للمشايخ على حساب الرتب الرفيعة من العسكريين منهم، باعتبار أنهم أتوا لمساندة الجيش وليس لأخذ مكانه.

عسكريون ومتطوعون
وصل عشرات من أبناء بلاد الروس أخيرا، لكن المشكلة التي افتعلها مهدي كونه لم يصدر قرارا يمكنهم من تولي القيادة على المعسكر أي أنه خسر ولاء الطرفين القبلي والعسكري، خاصة أن أغلب العسكريين من سنحان وجل المشايخ من خولان قد هبَّطت معنويات الضباط وغادر أغلبهم، وكذلك بعض أفراد القبائل. كان المقاتلون العسكريون والمتطوعون أيضًا يطالبون مهدي بتوفير الذخائر وتشغيل الدبابات التي كانت قد فرغت من مادة الديزل يوم ومساء الجمعة وتوفير الذخائر. وحيث إن أغلب من شاركوا في اقتحام المعسكر نفذت ذخائرهم، ولم يعد لديهم إلا القليل مما تركه الحوثيون أثناء فرارهم، تم التواصل مع مهدي بأنه تم توفير شاحنة محملة بمادة الديزل لتشغيل الدبابات والمدرعات ولم يخبر أحدا بأمر وصول ديزل إلى قرب المعسكر. تم إبلاغه بمحاولاتٍ للتجمع من الحوثيين في منطقة السواد وأرتل وحزيز وشارع المائة ونصب عدد من الهاونات. وكان يقول لهم: “اصبرو لابعدين وكل شيء عيسبر”. مهدي ادعى أنه لم ينم من يومين وسيذهب للنوم ساعات ثم يعود. كان المقاتلون بحاجة إلى أكل وشرب وذخائر وكثير من المتطلبات التي لم يحاول مهدي، حتى محاولة، توفير أيٍّ منها.

تصرف مريب
الساعة الخامسة عصرًا من ذات اليوم، بدأ إطلاق أعيرة نارية من محيط المعسكر وبدأت النقاط الحوثية تظهر في عدة أماكن من جديد. عادت المناوشات وقام الحوثيون بتشغيل عدة دبابات كانت منتشرة خارج المعسكر، والتي كان البعض يصر على تشغيلها من الصباح، واستخدامها ضد الحوثة، ولكن كانت دون ديزل ودون بطاريات، أضف إلى ذلك تقاعس كثيرين بعد تصرف مهدي المريب وخلق حالة تنافر بين العسكر المتطوعين. بدأ قصف بوابة اللواء الرابع ونوبات الحراسة وجبل المرخة. طبعًا قيل إنه كانت توجد كمية لا بأس بها من الأسلحة، منها قذائف دبابات في مبنى القيادة التي لم يسمح مهدي بالوصول إليها وأخبرهم أنها “فارغة”. بعدها غادر مهدي بعد المغرب تمامًا، بعد أن أخذ قسطًا من الراحة، ترددت بين الجنود همسات: “بالله عليك، هل هذا وقت نوم، والدنيا بتحرق والزعيم محاصر”. تاركًا العشرات، أغلبهم من المدنيين المتطوعين في المعسكر لينسحب إلى منزله ويتخذ منه جبهة بديلا من المعسكر الذي هو تحت قيادته دون أن يعلم أحد بهدف مغادرة المعسكر وترك القيادة. اشتدت المواجهات واستخدم الحوثة السلاح الثقيل: دبابات، مدفعية، هاون، وتقدموا صوب بوابة اللواء الرابع في الساعات التالية لمغادرته. وكان المدافعون يقاتلون بأسلحة خفيفة، وذخائرهم قد نفدت ولم يعد لديهم إلا ما أخذوه من أيدي الحوثة في معركة الصباح.

نهب الممتلكات
كان الحصار يشتد، كما تتعالى أصوات المتنافسين على القيادة من الضباط والمشايخ وكلٌّ يلقي باللائمة على الآخر. كانت جبهة 48 متهالكة والفوضى لم تغادرها برهة، وكان الجميع يرى التقدم للانقضاض من ميليشيات الحوثي نحو المعسكر وضربت النوبات التي توزع فيها المقاتلون، ووقع بعض الضحايا. واستمر الدفاع حتى آخر طلقة، بعد أن دخل الحوثيون بالدبابات المعسكر واعتلوا جبل المرخة. وصوبوا نيران مدافعهم على سيارات المتطوعين التي كانت في ساحة المعسكر، في هذا التوقيت وصلت الاشتباكات إلى معسكر ريمة حميد. بعد دخول الحشود بقيادة خالد القيري، التي أتت من خولان باتفاق مع قيادة الحوثيين على أن يقتحموا قرية بيت الأحمر. وسُمح لهم بنهب الممتلكات والبيوت والسلاح والسيارات، ومن ثم يتم تسليم الأمور إلى الحوثيين. وكذلك بمساندة مجاميع من الحوثيين تحت قيادة عبدالله العكيمي، قائد الحملة التي تحركت من خولان ومعسكر العرقوب وبإشراف مجاهد السامري، وقد تم تعيينه، مؤخرا، عضو مجلس شورى. تحركوا بداية من حدود سنحان ثم إلى جوب وقرية بيت الشاطبي، تحديدا مزرعة الزعيم، ثم انطلقوا صوب معسكر ريمة حميد.

من متراس إلى متراس
في المعسكر لم تكن الأمور مرتبة رغم وجود الإمكانيات والسلاح، كانت هناك مجاميع قبلية، تمت إضافتها للمعسكر بإشراف وبنظر الضابط “م. د” قائد مجموعة الحماية الخاصة. تم إضافة ما يقارب مائة مسلح من أبناء قبيلة بني بهلول، والذين بدورهم انقلبوا على الضباط والأفراد، بمجرد اقتراب جحافل الحوثيين، وقاموا بنهب الأسلحة المتوسطة التي كانت بيد العسكريين. كذلك كان بينهم عسكري يكنى الردمي، كان يخاطب العسكر من متراس إلى متراس ومن مكان إلى آخر ليثبط همتهم ويحضهم على الاستسلام، ويخبرهم أن الأمور في صنعاء قد حُسمت. أصيب واستشهد عدد من العسكريين في هذه المواجهة القصيرة. كانت هناك مجاميع قبائل من القرى المجاورة تحاول التواصل مع الضابط حميد الكشري “الضابط المسؤول في المعسكر” لتوفير الذخائر لهم ليسندوا المعسكر ولم يتجاوب معهم أحد، هؤلاء وصل إليهم مهدي مقولة في الليلة نفسها بعد مغادرته 48. وقال لهم بالحرف الواحد: “روحوا لكم ماعاد بش منها”، ثم غادر على الفور بعد ملاسنات واختلاف كبير بين المتطوعين ومهدي ومرافقيه. وبعدها أتت مجاميع بقيادة الحوثي “أحمد الملصي”، وتمت مهاجمة المعسكر من جهة الشمال. ودخل العكيمي وميليشياته إلى المعسكر وأخذوا السلاح والأطقم والعتاد، والذي اختلفوا مع الحوثيين بشأنها وتم استعادة بعضها بعد أن تم تهريبها إلى خولان. وهكذا انتهى أمر أهم معسكرين عول عليهما صالح في ساعات انتفاضته الأولى.

التحول والهروب الكبير
تقاطر أركان حرب صالح العسكرية والسياسية والقبلية واخترقوا الحصار، كما لو أنهم على موعد، رغم أنهم لم تحملهم عربة واحدة، ودخلوا إلى “الثنية” باستثناء محمد عبدالله القوسي الذي كان منذ الثاني من ديسمبر قد انتقل للعيش إلى جوار الزعيم، بعد أن استولى الحوثي على منزله الكائن في جنوب غربي العاصمة. وقد أكد العميد أحمد الهمداني وآخرون، أنه في يوم الرابع من ديسمبر صباحًا، كان يتواجد عند الزعيم صالح كلٌّ من عارف الزوكا ومحمود جليدان، وفائز العوجري، وخالد الديني، ومحمد عبدالله القوسي، وطارق محمد عبدالله صالح، بالإضافة إلى ولديه مدين وصلاح، أكد ذلك علي معوضه الذي قال: إن الجميع كان يحضر ويعرض خدماته على صالح، ثم يطلب المغادرة لتغيير الملابس والعودة بعدها إلى “الثنية”، كما قرر المقاتلون من أنصار صالح إلقاء السلاح وتغيير هيئاتهم والانسحاب من الثنية، وكان صالح حتى صبيحة الرابع من ديسمبر حيًا يشرف بنفسه على نقاط الاحتكاك والمواجهة.
كان المشايخ الذين تمكنوا من الوصول إلى مقر صالح قد اختصروا العمل الاستخباري وكشفوا أن صالح قد أسقط أجزاء من محافظة ريمة، وأن الشيخ المشرقي هو مرتكز حاشد الذي يعتمد عليه صالح قد قطع الطريق على القوات القادمة من صعدة، وناجي جمعان الذي سيطر على جولة عمران وأغلق خط عمران صنعاء، والشيخ زيد أبوعلي قد استولى على محافظة المحويت، بينما ياسر العواضي فرّغ نفسه لمهمة خطيرة هي الكمون لتعزيز المقاومة في منزل أحمد علي ومحمد القوسي والشيخ يحيى المطري اللذين كان متوقع أن يرفدوا صالح بـ1500 مقاتل قد تحولوا إلى زوار، وكل واحد يحمل قصته، واستطاع اثنان منهم تبديل ولائهما بينما انقطعت أخبار قيادات المؤتمر الذين توكؤوا على عكاز، إن رئيس المؤتمر لم يعلمهم بقرار المواجهة مع الحوثي وأغلقوا تليفوناتهم وبعضهم بحث عن أقرب مساكن إيواء تواريهم وتجعلهم بعيدين عن أي نوع من الضغوط.
كان الخطأ الثاني، بعد كشف موقع صالح وطريقة إدارته للعملية العسكرية هو وصول نبأ سقوط السواد وهو مدخل سنحان، وأن سقوط المعسكر يمنحه امتيازا في السيطرة على العاصمة كلها، وهناك أمر آخر كشفته الوقائع الميدانية هو أن الأوامر بالتسليح والتموين والدعم اللوجستي والتي تحتاج إلى تدفق منتظم وقرارات مبكرة قد اتخذت عند إقرار تنفيذ الخطة يوم 1 ديسمبر وتوقفت حتى أن معظم المجاميع المتمركزة بالقرب من “الثنية” أو منزل عمار “في حي حدة”، لم يوفر لهم الكميات اللازمة من الذخيرة أو التسليح الكافي لعدد الأفراد المتواجدين فترة المواجهة من 2 إلى4 ديسمبر، على الرغم من أن أسلحة نوعية وذخيرة كانت تحت أقدامهم في منزل طارق، أو منزل صالح أو عمار أو أحمد، كذلك في ريمة حميد (منطقة جنوب العاصمة ضمت أكبر معسكرات صالح).
في ذلك اليوم الذي انفردت فيه قناة الميادين حصريا بالخبر من بين كل القنوات المحسوبة على حزب الله لأنها تعلم علم اليقين كيف لقي حتفه وهي غير قادرة على الاعتراف بأن الرجل – أشرف من أن يقضي نحبه على يدهم، ثم إن الرواية الشعبية، إن جاز لنا أن نسميها: موضوع الفرار، ليس بالضرورة أن تكون جميع تفاصيلها لا تمت إلى الحقيقة بصلة، فثمة شيء منها صحيح، ولكن الزعم أن صالح فرَّ من “الثنية” حيًا ليحتمي بسنحان، بينما لم يتمكن مهدي مقولة وقد سمحت له الظروف من الاحتماء بقبيلته حيث اعتقل فيها من قبل أبناء القبيلة، وكان يعلم أن علي عبد الله صالح، أي بعد أسبوع من استيلاء الحوثي على صنعاء يعلم أن سنحان وجزءًا من بني بهلول، كانتا قد أعطتا الولاء للحوثي بإيعاز من صالح وتؤكد هذا الأمر في واقعة، حيث عبر موكب الزعيم كما يعبر السهم من القوس من إحدى النقاط حاول البعض أن يطلق النار على موكبه في مدخل قريته، لكن سيارة من السيارات المرافقة توقفت وعرفتهم أنهم جميعا من سنحان وأن هذا موكب الرئيس علي عبدالله صالح.

صدام عنيف
كان جُل من قاتل هم من حاشد بل من حاول إعاقة تقدم الحوثي، كانت حاشد كالشيخ المشرقي وجليدان فهي من تمثل الربوة الشمالية، المهم في الأمر أن صبيحة الرابع من ديسمبر كان صالح على قيد الحياة، وقام بجولته الاعتيادية في محيط المنزل بصحبة عارف ومن على بعد كان يمشي من خلفه أفراد من حراسته الخاصة، ما زالوا حتى هذه اللحظة مفقودين ويتكتم الحوثي على الإعلان عن اعتقالهم أو ضمهم إلى قوائم من كشفوا أنهم رهن الاعتقال وقد تم إطلاق أحد حراسه الموثوقين وهو نبيل الحلالي خلال الفترة الماضية من 2019، ورغم مرور أشهر فما زالوا في قطيعة مع العالم بما في ذلك تواصلهم حتى مع رفاقهم والأخبار المبتورة التي ترددت حول دورهم ذلك الصباح، أي بعد عملية صدام عنيف بمختلف أنواع الأسلحة وقذائف الـRBG وقذائف الهاون التي صبت جميعها على أرجاء منزل الزعيم في “الثنية”، منطلقة من محاور مختلفة وبعضها من أقرب نقاط التمركز عند مجمع الكميم بعد القضاء على جيوب القناصة الذين قاوموا إلى حين استشهاد العميد حسين الحميدي الذي أشرف وقاد النطاق الجنوبي الغربي بدءا من جولة الرويشان حتى السفارة السعودية، بعد تقدم دبابات ومدرعات من شارع مجاهد ومن بعض المتاجر والمخازن التي تخفت فيها لأيام، وكما لو أن قرار الهجوم المفاجئ الكاسح جاء ردًا على فشل الوسطاء في إقناع صالح على الاستسلام ليحرزوا انتصارا سهلا لا عليه. بيد أن توقف إطلاق النار في الثامنة صباحا صاحبه هدوء عجيب، وما هي إلا دقائق أو أكثر من نصف ساعة حتى بدأت الجموع المتمركزة تنسحب إما فرادى أو جماعات تاركة سلاحها خلف متاريسها أو سُلمت للذيفاني، وكأن قرارا قد اتخذ على عجل بعد أن تناقلت الأفواه إصابة الزعيم بشظية من قذيفة هاون، لا أحد قدم لهم حجم الأضرار ومدى خطورة حالته، وكان مدين هو من جلب البطانية التي شوهد فيها بالفيديو المسرب فوضعوه لينقلوه إلى المدخل الأول من المنزل، وهو عبارة عن صالة اجتماعات ومجلس مقيل وآخر يعتبر مكتبه الشخصي، بينما الأدوار العليا هي أماكن إقامة أفراد العائلة، أما البدروم فهو مخزن أسرار ووثائق ظل يجمعها لعقود إبان فترة حكمه، كما أنه يحوي جراجا للسيارات الخاصة به، والتي يحتفظ بها لأسباب إنسانية أو اقتناها لقيمتها التاريخية كسيارة الملكة إليزابيث، حين قامت بزيارة عدن عام 1959، والتي أعاد ترميمها بما يتجاوز ثلاثين ألف جنيه إسترليني، أنجز ذلك أحمد علي شخصيًا، أُنفقت لتجميع قطع غيارها من كل أسواق الخردة البريطانية وإعادة ترميم الأضرار التي لحقت بها خلال سنوات اختفائها في عدن، من قبل أحد ضباط الجبهة القومية الذي أهداها بعد إنجاز الوحدة عام 1990 للرئيس صالح.

قذيفة الهاون القاتلة
كانت الأسوار التي تفصل ما يمكن أن نسميه منطقة النشاط العسكري لمجاميعه التي تستطيع أن تتحرك حول المنزل رغم أنها ضمن أسواره وداخل المباني الحراسة المتناثرة وأحيانًا المتلاحقة إلى جوار الجامع، بدت أنها تمثل ساترا منيعا من أي اقتحام، خاصة مع توافر ذلك القدر من التسليح والذي يشمل المدرعات والدبابات وكل أنواع الأسلحة المتوسطة ورشاشات القنص، والأسلحة الفردية بالإضافة إلى كميات هائلة من الذخائر، لكن المنزل لم يكن محصنا أمام قذائف الهاون وقذائف الدبابات، أما الـRBG فقد تكفلت الأسوار الشاهقة بامتصاص فعاليتها، كون الأسوار المحيطة بالمستويين على النسق الثاني والثالث تمتد لأكثر من ثمانية أمتار رأسيًا، لكن ارتطام قذيفة الهاون على أرضية من الحجر المصقول كالبلاط الذي صمم ليكون متلاصقًا وبقالب واحد، وربما لجودة عملية الردم والضغط جعل منه سبيكة ما إن حطت القذيفة حتى تناثر شظايا التقطت جزءا من فخذ عارف الزوكا، وخلفت وهي تهوي من السماء شقا بعرض ستة سنتيمترات ونصف باتساع قطره سنتيمتر ونصف في الجهة اليسرى من رأس صالح، كما انغرز نثار الشظايا في أجزاء من رأسه وبطنه، إلا أن الإصابة الكبرى في الرأس بدت هي الأخطر على حياته والتي لم تنفع معها محاولات إيقاف نزيفه بالوسائل الطبية التي جُلبت على عجل من عيادته الخاصة. كانا حتى لحظات تلك المفاجأة غير المتوقعة والتي دفعت بالعديد من معاونيه وضباط أمنه لتشكل حلقة لا تدري إن كانت أسيرة الخوف على حياة رجل ربطوا مصائرهم منذ عقود به أم أن خوفهم على أنفسهم من قذيفة أخرى قد تأتي في أي لحظة، لكنهم جميعًا باستثناء من غادر الاشتباك الأخير كعلي معوضه عاشوا مع صالح وزعموا أنه حدَّث بمرارة من كانوا حوله من أفراد أسرته عن خيانات، ويحمل المسؤولية مشايخ راهن عليهم، طلبوا منه الصمود حتى آخر طلقة، وهذا يبدو كأنه فيلم من إنتاج هوليوود.

خطة الانتقال إلى سنحان
بينما كان مدين قد جمع ما تيسر له من ضمادات وأدوات إسعاف من عيادة المنزل في محاولة منه لإيقاف النزيف من صدره وعند بطنه، لقد تسبب ارتطام المقذوف باندلاع سيل من الشرر من فتات بلاط من الأرضية التي اخترقت جاكتته وفالينته، وهي من الأمور التي عجلت في لفظ أنفاسه الأخيرة خلال أقل من دقيقة وكان جسمه ينهار مع كل ثانية ينزف فيها الدماء، ولكن الهدوء الذي ساد عقب الاشتباك الأول وحالة التسلل المتزامنة والمتلاحقة كانت توحي بأن تراجعا ما قد حدث للحوثيين جعلت الجميع يفكر بخطة انتقال إلى سنحان لدفنه إلى جوار أخيه محمد في حصن عفاش دون علمهم أن حصن عفاش قد سقط هو الآخر. وكانت حسب زعمهم تلك وصيته الأخيرة تضمنت بالإضافة إلى وصيته أن يقاتلوا الحوثة حتى آخر طلقة، هذا الجزء حاولت المجاميع السياسية التي كشفت خطة التحرك وطوقتها بالقرب من الأمن السياسي وحينما وجدوا جثمان صالح حوالي الساعة الحادية عشرة والنصف وقد أزيل عنها كل أثر للدماء وتغيير البطانيات وكان شاحبا لأن عروقه قد خلت من الدماء والتصق جلده بعظمه.

الانكسار السياسي والعسكري
من الساعة التاسعة والنصف وحتى العاشرة من صبيحة الرابع من ديسمبر ساد على “الثنية” هدوء ثقيل، وبدا كما لو أنهم من الداخل قد انشغلوا بترتيبات تتصدى لهجوم وشيك، وكانت آلة الإعلام توحي بأن جحافل الساعين وراء الغنيمة المتكونة من مليارات الدولارات ومئات الملايين من الذهب والمقتنيات الثمينة لن تسمح بنجاح أي وساطة تعبر حدود المدخل من شارع حدة إلى الكمين، ثم إلى الداخل في الحي الذي يقع فيه منزل الزعيم صالح راجت شائعة مقتل طارق في هجوم صبيحة هذا اليوم، وأن عمه قد صلى عليه ودُفن داخل مجمع “الثنية” في إحدى زوايا حديقته الواسعة، بالإضافة إلى أخبار الانتصارات المتلاحقة بدءًا من ريمة حميد وبيت الأحمر وفرار محمد وطارق من منزليهما، وكأنها لرفع معنويات عبدالله الرزامي وعلي أبوالحكم اللذين استرخصا أرواح فتية قررا الدفع بهم عند الظهيرة في هجوم أخير وشامل ليحسم الصراع. المؤتمر الشعبي العام وقيادته متوارون عن الإعلام والأنظار ولا بيان يصدر عنه للناس، وفي الحقيقة فإن المعركة في الساعات التالية انتقلت من البحث عن الزعيم إلى استكشاف مصير طارق محمد عبدالله صالح، انقلب كل شيء رأسًا على عقب، علي معوضه يغادر “الثنية”، وعبده معوضه رتب لانتقال متعجل إلى مأرب حاملا ما استطاع أن يحمله من وثائق وأسرار حقبة وثقتها الكاميرا، أو دونتها أقراص صلبة ليهاتف من مأرب صادق أمين أبوراس ويعلمه عن حتف الزعيم. كان الجميع على يقين أن المواجهة ستستمر لأسابيع وربما لأشهر، وسوف يأتي الحل مع الوقت، جاءت صبيحة الرابع من ديسمبر وقد تفننت الأخطاء في صنع الانكسار السياسي والعسكري.

يمكن قراءة الخبر من المصدر موقع الخبر اليمني من هنا

اخبار فيروس كورونا في اليمن
اقسام فرعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى