اخبار اليمن الان

ومضات من كتاب “خيوط الظلام: لعبدالفتاح البتول

الجمعة, 25 سبتمبر, 2020 10:06:00 مساءً

اليمني الجديد – د. لمياء الكندي


لم يكن من السهل تناول عصر ما من العصور التاريخية، لفترة تزيد عن الإلف عام في حياة الشعوب، وذلك لما يمكن أن تحتويه هذه الفترة الزمنية الطويلة من تحولات تاريخية وحضارية لأي أمة من الأمم. وبينما نحن نطالع تاريخ الإمامة الزيدية في اليمن أو تاريخ اليمن في فترة ظهور الإمامة الزيدية من الفترة الممتدة من (284 ـ 1382هـ)، نكون أمام حقبة متكاملة من الصراع الدائم والهدم المستمر من قبل هذا النظام (الإمامة) للدولة اليمنية المستقلة أو محاولات من قبلهم لفصلها عن محيطها العربي والإسلامي وسلخها عن هويتها العربية والإسلامية، وهو ما أوجب صعوبة في البحث والكتابة عن هذه الفترة المليئة بالأحداث.


لقد قدم لنا كتاب (خيوط الظلام: عصر الإمامة الزيدية من الإمام الهادي إلى التمرد الحوثي من (284 ــــ 1382هـ) والصادر عن مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام ٢٠٠٧، تصورا شاملا وإلمامة تاريخية اختصرها الكاتب في هذا الكتاب الذي تجاوزت عدد صفحاته الخمس مائة صفحة، استطاع من خلالها الأستاذ الباحث عبدالفتاح البتول أن يضعنا أمام صورة حقيقية لهذا المشروع المستميت لفرض ذاته السياسية والمذهبية والعقائدية علينا بقوة السلاح وبجرأة القتل والتنكيل وسياسات التقسيم والتفتيت، عبر إحداث شروخ اجتماعية وطبقية غذتها مجموعة الصراعات التي عاشها اليمن إبان فترة حكمهم.


 


وفيما اعتبره الكاتب مدخلا تاريخيا لفهم الحالة الإمامية في العالم الإسلامي بشكل عام، وفي اليمن على وجه الخصوص، يكون قد عبر بنا صوب فهم واضح لحقيقة هذه الجماعة ونيتها في الاستعلاء والاستفراد في الحكم ومحاربة كافة أشكال الاستقرار والبناء، حيث كان من الأفضل لها تجاوز واقع الصراع الذي دفع به أدعياء الإمامة العلوية، والاتجاه إلى أفق البناء وتوثيق عرى الدين والتلاحم بين أبناء وأقطار الأمة الواحدة، مع اختلاف شعوبها ونحلها، ولكنهم وللأسف وقفوا بالمرصاد أمام الدولة الإسلامية من بداية ظهورها في المدينة المنورة عقب وفاة الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، وحتى يومنا هذا، متخذين من أحاديث الولاية ومن التفسير والتأويل الباطني للقران الكريم حجة وعقيدة يثبتون منها أحقيتهم المزعوم في الحكم.


 


لقد دخلت هذه المجاميع الهاشمية في صراع تقويضي مرير مع كل من الأمويين والعباسيين وغيرها من الممالك والحكومات المحلية التي كانت قد استقلت عن مركز الخلافة في بغداد، والعجيب في كل تلك المحاولات أنها دائما كانت تواجه بالفشل ويتم دحرها وقتل دعاتها رغم محاولاتها المستميتة لصنع كيان ونظام خاص يمثل العلويين ويبرر للهاشمية السياسية فعلها في حق هذه الشعوب.


 


وللأسف كانت اليمن ولا تزال منذ أكثر من ألف عام تدفع ثمن هذه الروح المستعلية للهاشمية السياسية، وتدفع ثمن هذه النظرية الفكرية التي تحصر نظام الحكم في (البطنين)، غير آبهة بمسارات التحول والتطور التي عبرت منها الشعوب الإسلامية ذاتها، وتغلبت بفكرها النير على فكرة الولاية. فما زال أدعياء الإمامة من ألف عام وحتى هذه اللحظة يواصلون تضليل هذا الشعب لقبول أفكارهم والقول والعمل بولايتهم وأحقيتهم بعيدا عن أي خطاب عقلاني يمكن من خلاله أن يروجوا لمشروعهم وفق واقع حضاري وإسهامات حضارية ومعرفية وعلمية وعمرانية يمكن أن يكون هذا النمط من الحكم قد خلفها لنا ويمكن أن نقف أمامها موقف الإنصاف.


 


ولأنهم يدركون فظاعة جرمهم وسوء جريرتهم في حق هذا الشعب، تراهم اليوم كما كانوا في الأمس، يثيرون ذات النعرات ويمارسون سياسة التفريق والانقسامات بين قبائل اليمن وحواضره المختلفة، ويثبتون حكمهم بسلطة الردع والقتل والابتزاز والترهيب.


 


ولم تخل إمامة أي أمام من عشرات الأئمة الذين تناولهم هذا الكتاب من حادثة قتل جماعي، أو خراب حصل لمدن اليمن. حيث تعرضت صعدة مركز الإمامة الزيدية عبر فترات تاريخها الإمامي، لحملات تخريب منظمة من قبل الأئمة أنفسهم، وأثناء سيرة تنازعهم المشترك حول أحقية الإمامة، حيث كان مبدأ الخروج الذي أجاز ظهور أكثر من مدّعٍ للإمامة في الوقت ذاته، مبدأ صريحا وواضحا في العقيدة الزيدية التي بررت للتنافس بين الأسر الهاشمية طلبا في الحكم والإمامة، من منظور، ألقى بتبعاته على اليمن إنسانا وتاريخا. هذا بالإضافة إلى خراب صنعاء واستباحتها من قبل القبائل الموالية لهذا الإمام وذاك أكثر من مرة وغيرها من مدن اليمن وحواضره التي كانت تدفع ضريبة هذا المشروع طيلة فترات حكمه المتقطعة.


 


ولقد سعيت من خلال قراءتي لهذا الكتاب (خيوط الظلام عصر الإمامة الزبدية في اليمن) إلى تجميع أهم الخصائص المشتركة لنظام الإمامة وفق ما أورده الكاتب من أحداث ووقائع أثبتتها كتب التاريخ التي حملت في طياتها ما يمكن بالفعل اعتباره دهاليز مظلمة عاش فيها اليمنيون في فترة حكم الأئمة المتعاقب، لم ير من خلالها النور ولم تثبت فيها صورة الدولة المستقرة المرضي عنها شعبيا، وفق معايير الدول والشعوب الطبيعية التي تسير عليها مختلف الشعوب والأمم.


 


ومن هذه الخصائص المستخلصة ما يلي:


– شكّل نظام الإمامة عبر نظريته الخاصة في الحكم (ولاية البطنين) الذراع الطويل لتفتيت الدولة الإسلامية والوطنية عبر امتداد عصورها التاريخية من بداية ظهورها وحتى الآن.


 


– انتهاء كل حركات التمرد الشيعية المختلفة بالفشل الذريع، وعدم تمكنها من إقامة مشروعها وحلمها في تكوين خلافة مستقلة بحكم العلويين، وقد تمكن الرسيون عبر مؤسس الدولة الهادوية “يحيى بن القاسم الرسي” في اليمن من التعبير عن مطامعهم السياسية وتسخير كل مقومات هذا البلد ليكون وعاء لسكب ادعائهم في الحكم والتغلب، وكانت اليمن هي البلد الوحيد الذي استمرت فيه محاولات العلويين لتطبيق نظريتهم التسلطية ومد جذور أصوليتهم السياسية فيه.


 


– غياب مفهوم الدولة، بحيث كانت فترة حكم الأئمة طيلة عصورهم تعبر عن كونها سلطة حاكمة تحكم قبضتها على أجزاء من البلاد أو تشمل مساحات وأسعه ولكنها لم تكن سوى سلطة إمام وجماعة من الأتباع ولم تتمحور في إحدى فتراتها التاريخية إلى صورة الدولة بالمعنى الطبيعي والمتعارف عليه، وهذا ما يبرر عدم استمرار وحدة البلاد أو حفظ أمنها وضمان وحدتها وازدهارها، لأكثر من عهد وأكثر من إمام.


 


وعليه فقد كانت ظاهرة الاستقرار نسبية في فترات الحكم الإمامي التي غالبا ما كانت تتقلص مساحة نفوذه لتنحصر في اغلب الفترات إلى أجزاء من “صعدة”، وتعود من جديد لشن حروب داخلية تتوسع وتنكمش حسب المعطيات الداخلية والسياسية لكل إمام.


 


يمكن قراءة الخبر من المصدر اليمني الجديد من هنا

اقسام فرعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى