اخبار اليمن الان

قراءة في مذكرات “النعمان” أحد أبرز السياسيين اليمنيين في القرن العشرين (1)

السبت, 03 أكتوبر, 2020 08:14:00 مساءً

اليمني الجديد – حسين مديحج


إن معرفة الصورة التي انتهت إليها الأنظمة السياسية أو شكل الحياة الاجتماعية في بلد ما لا يمكن أن تتم خارج إطار الخلفية التاريخية له وطبيعة التحالفات والانشقاقات فيه. 


وكما تفيد نادية ماريا الشيخ وفرانسو بورغا في مقدُمة الكتاب، بأن تقصي السيرة الثقافية والسياسية للشخصيات المؤثرة يساعد في فهم القاعدة الاجتماعية للنظام ونقاط قوته وضعفه ومتطلبات تحوله وبقاءه. ونحن في هذه المقالة أمام مذكرات واحد من صانعي المشهد السياسي في اليمن، الأستاذ أحمد محمد نعمان.


 


لم يرغب ابتداءً في كتابة مذكراته لولا أصدقاءَ يكبرون كفاحه من أجل التحرير والتغيير، كانوا حريصين عليها وساعدوا في خروجها، وقد اعتنى قسم التاريخ الشفهي بالجامعة الأمريكية في بيروت عام ١٩٦٩م بتسجيل سيرته في أربعة عشر شريطاً، واشترط عدم نشرها إلا بعد وفاته.


قدّم نعمان في مذكراته رواية مطولة عن أهم منعطفات حياته الثقافية والسياسية إضافة إلى ذخيرة مهمة من الوثائق الشخصية التي جمعها منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وتحفظ حالياً في مكتبتين في بيروت ولندن، ولم تنشر بعدُ حد علمي.


وقد تكفّل المؤرخ اليمني علي محمد زيد بمراجعة نص المذكرات وتحريرها، وحرص على إبقاءها كما هي في صورة إجابة على أسئلة مطروحة اتسعت وضاقت حسب نوع السؤال ومزاج اللحظة وتداعي الذاكرة.


 


فتح نعمان عينيه على الحياة في منطقة “ذبحان” بمحافظة تعز سنة ١٩٠٩ للميلاد من أسرة محافظة ومتدينة، وكان جده بمثابة العمدة في المنطقة، وأنجب أولاداً تعاقبوا السلطة والإدارة فيها، وبرز منهم عمه أحمد نعمان “بك” الذي اتصل بالإستانة، وزار برفقة عدد من مشائخ اليمن السلطان محمد رشاد الذي منحه لقب “بك”.


 


في مكان ضيّق عاري من الحصير يسمى (المِعلامة) أو (الكتّاب) يتولى فقيه القرية الاعتناء بالأطفال وتعليمهم القرآن، أتمّ فيه الأستاذ نعمان حفظ القران خلال ثلاث سنوات من التحاقه به، وانتقل بعدها للدراسة في المكتب الذي فتحه الأتراك لتعليم الكتابة عند الخوجه أحمد مقبل، وكانت الكتابة تتم على الألواح بعد طلائها بنوع من الحصى باستخدام الفحم لعدم توفر الحبر والأقلام، وفي التفاتة لطيفة تذَكّر الأستاذ أول سطر كتبه الخوجه بخطه الجميل لهم “رب يسر ولا تعسر، رب تمم بالخير، وبه نستعين”.


 


لم يكن نظام التعليم في المكتب والكتّاب بذاك الحسن واللطافة أبداً، وبين السطور آلام يبيض سواد الرؤوس لسماعها، حيث يلاقي الطالب من الفقيه في سبيل تعلمه صنوف الضرب واللطم والقرص، ويستعان بالعصي للوصول إلى البعيد في المجلس، ولمّا انتقل نعمان إلى مكتب الخوجه أحمد ظن أنه فلت من الضرب، وما هي إلا أيام حتى اكتشف أن العقوبات على مستويات تكبر مع الإنسان في تلك القرية القاسية، كان الخوجه يعاقب المتخلفين عن المدرسة بـ (الفلقة) وهي نوع من عذابات الجسد وصل مع الأتراك، حيث يقعد الطالب على الأرض القرفصاء، ثم توضع العصا خلف ركبتيه، ويثني الركبتين إلى الخلف، وتشد الرجلان بحبل إلى العنق، ويقلب الطالب على ظهره بحيث تظل قدماه متجهتين إلى السقف دون أن يقوى على الحركة، وبعدها ينهال المعلم بعصاه ضرباً على باطن القدمين، وأما إذا كتب الطالب بخط مختلف عن خط المعلم، أو أخطأ في كتابة النص فهذا عقوبته الضرب على اليدين بلوح طويل يشبه المسطرة. كنت قد قرأت أن من أسباب ارتعاش اليد أثناء الكتابة مضاعفة الحمل عليها، وينصح بعض محترفي الخط بعدم حمل ما وزنه يفوق الـ ٥٠٠ جرام، فكيف بتعرض طفل لهذا الكمّ من الضرب على يده الصغيرة هل كان سيقوى على حمل القلم أصلاً؟!


 


كانت الأمنية اليتيمة لوالد الأستاذ نعمان أن يصبح أبناؤه من العلماء، ويجلسوا مكان فقيه القرية، لذلك تحركت رغبة الأستاذ في تحصيل العلوم ومواصلة الدراسة إرضاء لوالده، ولأن مصدر الثقافة الوحيد في القرية قد استنفذ ما عنده، قرر السفر إلى مدينة (زبيد) التاريخية، حيث يكثر العلماء، وسبل المعرفة متوفرة، وتتوارث المدينة العلم من أيام مؤلف القاموس مجد الدين الشيرازي الذي ألفه فيها، وبالفعل ذهب ورجع بعد سبع سنين فقيهاً معمماً يلبس القميص المكمم وبيده العصا، وأصبح يعقد الحلقات العلمية في القرية، ويقصده الناس طلباً للدعوة الصالحة والبركة، وإذا مرض طفل جيءَ به إليه حتى يكتب له تميمة، ولم يترك مهمة ضرب الأولاد في المِعلامة طبعاً على ما نشأ عليه.


في هذه الأثناء ما تزال نظرة الأستاذ السياسية قاصرة، وكان يسبح بحمد الإمام يحيى في كل قيام، ويرى فيه خليفة الله في أرضه، وكان على مقربة من الناس ليرى المظالم وسوء الإدارة والحكم، ولكن الإمام لا يخطر له على بال، ويعوز ذلك إلى العمال والحكام، وكتب كتاباً في ذلك تحت عنوان “الأنّة الأولى: أبناء اليمن في مهاجرهم يشرحون أسباب الهجرة لولي العهد المحبوب سيف الاسلام أحمد”، والمفارقة هنا: كونه قادم من الحقل الشرعي وقارئ للتراث، فيحسن سبك الكلام في عدم مجالسة الملوك والابتعاد عن الظلمة، وعمّه الذي عمل مع الأتراك يقبع في السجن لعمله معهم، ولم يخرج منه إلا بعد سبعة وعشرون سنة، وأعدم في أحداث ثورة ١٩٤٨، واحتاج استيعاب جذر المشكلة منه زمنا.


 


ومن قلب الإيمان العقائدي تأتي صدمة هزيمة قوات الإمام يحيى أمام القوات السعودية، ويبدأ التساؤل عن سبب هزيمة الإمام، وفي نفس المرحلة يقع كتاب “هدي الرسول” لمحمد أبو زيد في يده والذي كتب في مقدمته “ما أعسر الدين في كتب الفقهاء؟!”، وكان فاتحة تحول في قراءاته، وقد علم المشايخ في زبيد بخروجه عن طريقتهم وقراءته في غير ما عهدوه، فأرسلوا إليه يدعونه للزيارة، فذهب إليهم وقد تهيؤ بحزمة من الأسئلة التفتيشية، وتقرر لديهم إصابته بمس وأنهم سيقرأون القران عليه، وعاد من رحلته دونما فائدة، ولم تتغير قناعته، ويحسن التنبيه أن الأستاذ شديد التمسك بالدين ولكن غلبة التقليد تعمي البصائر.


 


وجاء ذات مرة من عدن الأستاذ محمد أحمد حيدرة إلى القرية لتدريس الطلبة وكان عارفاً بالتاريخ والجغرافيا واستمر في ذلك فترة من الزمن إلى أن تبين للأستاذ نعمان عزف حيدرة للعود فأفسد عليه لحظته وانطبع لديه تصور بفسق الرجل، وعمل على طرده من البلد، ولكن أخاه أصر على بقائه إلى أن سمعه مرة يقول للطلبة بكروية الأرض، هنا أرعد الأستاذ وأبرق وما برح حتى طرده من البلدة.


 


كان الأستاذ في هذه الفترة يعيش تناقضاً صارخاً بين ما نشأ وتربى عليه، وبين إقباله على مراجعة أفكاره وخوض غمار القراءة في حقول جديدة، وعز عليه إفشاء ما يمليه عليه ضميره، والتراجع أمام العامّة، فتصلب على رأيه زمناً ثم كاشف الناس بقناعته وسعى في عودة الأستاذ حيدرة إلى المدرسة، واستفاد منه كثيراً، وقد بصّره بكتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” للكواكبي والذي أحدث ثورة في أفكاره، وبدأ يدخل معترك النقاش في الحكم والسياسة وطبيعة المستبد، كما أحضر حيدرة معه كتباً أخرى في الفكر والتاريخ منها كتاب “غرائب العرب” لمحمد كرد، وأخذ الأستاذ يلتهمها ويقف على تفاصيلها، ويحشد الطلبة لإسماعهم ما فيها.


 


يمكن قراءة الخبر من المصدر اليمني الجديد من هنا

اقسام فرعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى