اخبار العالم

كيف وصل عشرات الأطفال الألبان إلى سوريا وما مصيرهم؟

كان وجه إيفا المثلث الشاحب يلمع داخل إطار صنعه وشاحها وغطاء رأسها فاحم السواد. نظرت بعينيها البنيتين الباهتتين إلى الكاميرا مباشرة.

كانت إيفا ذات الستة عشر عاماً الآن قد اختطفت على يد والدها شكيلزن الذي اقتادها إلى سوريا وهي في التاسعة من العمر.

وبعد سبع سنوات من الحرب ثم الأسر، صارت تبدو وكأنها من عالم آخر، غير قادرة على فعل أي شيء.

لا نستطيع نشر صورتها خوفاً على حياتها. فهي لا تزال في مخيم الهول شمالي سوريا، حيث نُقلت ضمن أكثر من 70 ألفاً من يتامى وأرامل مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية بعد سقوط آخر معاقله في بلدة الباغوز في مارس/أذار 2019.

وكان شقيقها إندري (14 عاما)أكثر حظا، إذ أُعيد من سوريا إلى بلاده على يد قوات ألبانية خاصةأواخر أكتوبر/ تشرين الثاني 2020، بصحبة امرأة وثلاثة أطفال آخرين.

بدا إندري شديد النحافة، وارتسمت على وجهة ابتسامة عريضة وهو يقف إلى جوار عمه شيتان الذي يستطيع بالكاد أن يصدق أنه صار بإمكانه أن يحتضن ابن شقيقه بين ذراعيه من جديد.

شيتان وابن أخيه إندري وقد تم إخفاء وجهه لحماية خصوصيته

” هذا المخيم حجيم على الارض بحسب ما رآه ضباطنا”، هكذا قال لي وزير الداخلية الألباني ساندر ليشاي.

في بريطانيا، يُعرف مخيم الهول بكونه المكان الذي أقامت فيه مؤقتاً شميمة بيغوم المعروفة بـ”عروس تنظيم الدولة الإسلامية” والتي غادرت لندن والتحقت بالجهاديين عام 2015، ثم جُردت من جنسيتها البريطانية لاحقا.

“التزام أخلاقي”

يقول وزير الداخلية في تيرانا إن المخيم يضم 30 طفلاً ألبانياً وعشر نساء ألبانيات وإن البلاد تهدف إلى إعادة جميع هؤلاء الأطفال خلال الأشهر القليلة المقبلة.

وأضاف لبي بي سي “نعتقد بوجود التزام أخلاقي باستعادة الأطفال على الأقل لأنهم ليسوا إرهابيين، إنهم ضحايا لآباء غير مسؤولين. لكن من الممكن أن يتحولوا إلى وحوش حقيقية إذا ما تركناهم في المخيمات وتجاهلناهم.”

ويعتقد أن أمهاتهم، على الجانب الآخر، يجب أن يمثلن للمحاكمة.

وتجري حالياً مفاوضات معكل من السلطات الكردية التي تدير المخيمات وأمهات الأطفال للسماح بترحيلهم.

التقيت شيتان في بهو فندق في العاصمة الألبانية تيرانا. كانت يداه ترتجفان وهو يُريني صور الطفلين على هاتفه المحمول.

أمضى سبع سنوات من حياته محاولاً إعادة الطفلين لوطنهما. تفاوض مع مهربين ومسلحين ووكالات إغاثة، لكن حكومة بلاده هي التي تحركت في النهاية.

غير أن ثمة سباقاً مع الزمن الآن لإخراج باقي الأطفال قبل أن يتعرضوا للأذى داخل المخيم أو ينحرفوا بعيداً ليشكلوا نواة لتنظيم دولة إسلامية جديد.

وقد باتت السلطات الكردية التي تدير مخيم الهول تفقد سيطرتها.

“لا نتحدث عن الصراع قط”

عبر الحدود في مدينة غوستيفار بمقدونيا الشمالية، التقيت حبيب فيداني.

تخلى شقيقه بيكيم عن مهنة أسرته في مجال بيع البيتزا والفطائر عام 2013 من أجل القتال في صفوف جبهة النصرة في سوريا ثم تنظيم الدولة الإسلامية لاحقا.

ولم يسمع حبيب أخباراً عن شقيقه منذ عامين، بعد احتجازه على يد قوات كردية في سوريا. لكنه يعلم أن زوجة بيكيم وأبناءه الأربعة فيدان وأسامة وعدنان وريانه لايزالون أحياء ويعيشون في مخيم روج، وهو مكان أصغر وأقل خطورة من الهول. وريانه التي تبلغ الآن من العمر 5 سنوات هي الوحيدة من أبنائه التي وُلدت في سوريا.

“قبل يومين بعثوا لي برسالة نصية. لا نتحدث عن الصراع قط. نتحدث فقط عن أمور عائلية”، كما يقول حبيب.

وكانت أم حبيب قد سافرت إلى سوريا في محاولة لإعادة الأطفال لبلادهم لكنها توفيت هناك متأثرة بمرضها. كما حاول والده كذلك إعادتهم، منتقلاً في المنطقة يتفاوض مع كل من استطاع الوصول إليه -مثلما فعل شيتان المقيم في تيرانا- لكنه توفي العام الماضي هو الآخر.

والآن تسلم حبيب المهمة نيابة عن العائلة.

يتعلق أمله الوحيد بجهود الحكومة الألبانية، لكن وفقاً لما قاله لي وزير الداخلية تتركز هذه الجهود على المواطنين الألبان فحسب، وليس من هم العرق الألباني في مقدونيا الشمالية وكوسوفو.

وكانت حكومة كوسوفو قد تمكنت عام 2018 عبر وساطة أمريكية من إعادة أكثر من 100 امرأة وطفل من سوريا.

هل تفلح محاولات إعادة تأهيل المتطرفين؟

في العاصمة المقدونية سكوبي يعمل سامت شاباني، المسؤول في منظمة بريدج هورايزون غير الحكومية، في برنامج لإعادة تأهيل عدد صغير من المقاتلين السابقين وأفراد أسرهم ممن عادوا من سوريا، وقد رجع أغلبهم بجهودهم الخاصة.

يقول شاباني “أغلب المقاتلين الذين عادوا من ساحات الحرب إلى البلقان يشعرون أنهم مواطنون في هذا البلد.”، معتبراً أن الهوية الوطنية الألبانية القوية تساعد المقاتلين السابقين وعائلاتهم في التخلص من غسيل الدماغ الإسلامي المتشدد الذي تعرضوا له في الشرق الاوسط.

وكانت الحكومة البريطانية تمول برنامج إعادة تأهيل المتطرفين حتى انتهاءه في إبريل/ نيسان 2019. بينما تتولى المهمة حالياً الحكومة الهولندية والجالية الإسلامية في مقدونيا وسلطات السجون.

وفي أوائل نوفمبر/ تشرين الثاني أطلق كوتيجيم فيزولاي (20 عاما) المولود في النمسا لمهاجرين من مقدونيا الشمالية من عرقية ألبانية النار على المارة في وسط فيينا، مما أسفر عن مقتل أربعة أشخاص وإصابة 23 آخرين.

نجيب فرينيزي (21 عاما) كان من بين ضحايا هجوم فيينا وتعود أصوله إلى مقدونيا الشمالية

وكان فيزولاي قد أمضى 8 أشهر من أصل عقوبة سجن مدتها 20 شهراً بتهمة محاولة الانضمام لمقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا. وكان قد اعتنق الأفكار المتطرفة في النمسا.

ويقول سامت شاباني “هذا يوضح رأيي تماما. إذا لم نقم بإعادة تأهيل هؤلاء المقاتلين ودمجهم وتأهيلهم اجتماعيا، سينتهي بنا الأمر للأسف بحوادث مأساوية مماثلة وقعت في دول أخرى.”

المصدر من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى