اخبار العالم

أفغانستان.. هذه كلفة أطول حرب خاضتها الولايات المتحدة في تاريخها

بعد قرابة 20 عاما بدأت الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (ناتو) رسميا سحب آخر قواتهما من أفغانستان تاركين البلاد أمام مستقبل غامض وسط تصاعد هجمات متمردي طالبان. ويؤكد الخبراء والمحللون أن هذه الحرب التي تعد الأطول في التاريخ الأميركي كانت تكلفتها باهظة بالنظر إلى حصيلة الأرواح الهائلة في صفوف الجنود الأميركيين وحجم الخسائر المالية التي تكبّدتها، إضافة إلى فشل واشنطن في مشاريع إعادة الإعمار كما يشكّل الانسحاب الأميركي انتكاسة للدّيمقراطية في أفغانستان وتهديدا لحقوق المرأة أمام مخاوف من فرض حركة طالبان النظام الأصولي نفسه الذي كانت تحكم من خلاله البلاد بين عامي 1996 و2001.

بدأت الولايات المتحدة رسمياً السبت سحب آخر جنودها من أفغانستان في يوم اتخذ بعدا رمزيا وشهد تعرض إحدى القواعد الأميركية لهجوم “غير فاعل” أكد الجيش الأميركي أنه رد عليه.

ويشكل انتهاء هذه العملية التي تقضي بسحب 2500 جندي خاتمة حرب استمرّت عشرين عاماً بالنسبة إلى واشنطن، ستعقبها على الأرجح فترة انعدام يقين كبير في بلد يرزح تحت السيطرة المتزايدة لحركة طالبان.

ويقول مسؤولون أميركيون في أفغانستان إن عملية الانسحاب جارية أصلاً، مشيرين إلى أن تاريخ الأول من مايو رمزيّ قبل كل شيء. وكان هذا التاريخ يمثّل الموعد النهائي لانسحاب القوات الأميركية الذي حدّدته الإدارة الأميركية السابقة برئاسة دونالد ترامب طبقاً للاتفاق الموقع مع طالبان في فبراير 2020 في الدوحة.

وبرأي خبراء ومحللين فإن أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة هو الصراع المستمر منذ عقدين في أفغانستان، والذي تلا أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف، بينما أثبت أربعة رؤساء أميركيين في النهاية أنهم غير قادرين على الفوز فيها على الرغم من التكلفة المذهلة من الدم والأموال.

وأدى هذا الفصل الأخير مع قرار الرئيس جو بايدن بسحب جميع القوات الأميركية من أفغانستان بحلول الذكرى العشرين للهجمات الإرهابية، إلى تراجع في حصيلة الأرواح التي فقدت في الحرب والإنفاق الهائل.

وتشرح إيزابيل ديبر في تقريرها على وكالة الأسوشيتد برس التكلفة الباهظة للحملة الأميركية، من إراقة الدماء والأموال المهدورة والعواقب المستقبلية للبلد التي مزقتها الحرب والتي تتأرجح على شفا الفوضى.

التكلفة في الأرواح

لقد دفع الأفغان الثمن الأعلى، حيث قُتل منذ عام 2001 ما لا يقل عن 47245 مدنيا في الحرب حتى منتصف أبريل، وفقا لمشروع تكلفة الحرب في جامعة براون، الذي يوثق التكاليف الخفية لما بعد حروب 11 سبتمبر.

وتصاعدت الهجمات بالأسلحة النارية والقنابل التي تستهدف المدنيين إلى مستويات غير مسبوقة منذ بدء محادثات السلام بين الأفغان في قطر الخريف الماضي، وفقا لمنظمة الأمم المتحدة. ويقول مراقبون إن الصراع أسفر عن مقتل الحما مجموعه 72 صحافيا و444 من عمال الإغاثة.

وتحتفظ الحكومة الأفغانية بسرية عدد القتلى في صفوف جنودها لتجنب تقويض الروح المعنوية، لكن مشروع تكلفة الحرب قدّر أن الحرب أسفرت عن مقتل 66 ألفا إلى 69 ألف جندي أفغاني.

وحسب الأمم المتحدة، أجبرت الحرب 2. 7 مليون أفغاني على الفرار إلى الخارج، وتوجّه معظمهم إلى إيران وباكستان وأوروبا. كما نزح 4 ملايين آخرين داخل البلاد التي يبلغ عدد سكانها 36 مليون نسمة.

في نفس الوقت، قُتل 2442 جنديا أميركيا في الحرب منذ 2001 وأصيب 20666، حسب وزارة الدفاع. وتشير التقديرات إلى مقتل أكثر من 3800 من مقاولي الأمن الخاص الأميركيين. ولا يتتبع البنتاغون مقتلهم.

وأسفر الصراع أيضا عن مقتل 1144 فردا من تحالف الناتو المكون من 40 دولة والذي درّب القوات الأفغانية على مر السنين، وفقا لإحصاء يحتفظ به موقع آي كاجواليتيز. كما سيتم سحب 7 آلاف جندي من قوات الحلفاء المتبقية في 11 سبتمبر الذي كان الموعد النهائي الذي حدده بايدن.
التكلفة بالدولار

أنفقت الولايات المتحدة ما مجموعه 2. 26 تريليون دولار، وفقًا لمشروع تكلفة الحرب. وأوضح أحدث تقرير لوزارة الدفاع لعام 2020 أن تكاليف القتال في الحرب بلغت 815. 7 مليار دولار على مر السنين. ويغطي تكاليف جيش الولايات المتحدة في أفغانستان، من الوقود والغذاء في العسكرية والأسلحة والذخيرة، من الدبابات والعربات المدرعة إلى حاملات الطائرات والضربات الجوية.

وكانت الولايات المتحدة قد غزت لأول مرة أفغانستان ردا على القاعدة ومضيفتها، طالبان، في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومقر وزارة الدفاع. وسرعان ما أطاحت بنظام طالبان الذي اتهم بإيواء تنظيم القاعدة الجهادي المسؤول عن الاعتداءات وزعيمه الراحل أسامة بن لادن.

وضخت واشنطن أكثر من 143 مليار دولار لهذا الهدف منذ 2002، وفقًا لأحدث الأرقام الصادرة عن المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان (سيغار، التابع للكونغرس).

ومن هذا المبلغ، تخصص 88 مليار دولار لتدريب الجيش الأفغاني وقوات الشرطة وتجهيزها وتمويلهما. وقال تقرير سيغار إن 36 مليار دولار أخرى أنفِقت على مشاريع إعادة الإعمار والتعليم والبنية التحتية مثل السدود والطرق السريعة. وخُصصت 1.4 مليار دولار أخرى للمساعدات الإنسانية للاجئين والكوارث. وتكلفت حملة ردع الأفغان عن بيع الهيروين حول العالم أكثر من 9 مليارات دولار.

وعلى عكس الصراعات الأخرى في التاريخ الأميركي، فإن الولايات المتحدة اقترضت مبالغ ضخمة لتمويل الحرب في أفغانستان ودفعت فوائد بنحو 530 مليار دولار. كما أنها دفعت 296 مليار دولار للرعاية الطبية وغيرها للمحاربين القدامى، وفقا لمشروع تكلفة الحرب. وستستمر في دفع هذه النفقات لسنوات قادمة.

وذهبت الكثير من المليارات التي أنفقت على مشاريع البنية التحتية الضخمة هباءً. وسقطت القنوات والسدود وبقيت الطرق السريعة في حالة سيئة، حيث فشلت أفغانستان في استيعاب تدفق المساعدات. وظلت المستشفيات والمدارس المبنية حديثًا خالية. ودون إشراف مناسب، وولدّت أموال الولايات المتحدة الفساد الذي قوض شرعية الحكومة.

على الرغم من تكلفة حملة مكافحة المخدرات، وصلت صادرات الأفيون إلى مستويات قياسية. ورغم المليارات التي أنفِقت على الأسلحة والتدريب لقوات الأمن الأفغانية، زادت طالبان مساحة الأراضي التي تسيطر عليها.

وعلى الرغم من الإنفاق على خلق الوظائف والرعاية، فإن البطالة تحوم حول 25 في المئة. وقد تذبذب معدل الفقر على مر السنين، حيث وصل إلى 47 في المئة حتى 2020، وفقا للبنك الدولي، مقارنة بـ36 في المئة عندما انطلق الإحصاء لأول مرة في 2007.

وعلق مايكل وحيد حنا، الباحث في مؤسسة ذا سينشري ومقرها واشنطن، بالقول “إن الاستثمار ذهب هباءً”.

تكلفة المغادرة

على الرغم من أن قلة يرغبون في إطالة أمد الحرب إلى ما لا نهاية، فإن الكثيرين يخشون من أن نهايتها قد تعرض مكاسب أفغانستان المتواضعة في مجالات الصحة والتعليم وحقوق المرأة للخطر، والتي تحققت في السنوات الأولى عندما وسّعت الولايات المتحدة الاقتصاد وأطاحت بحركة طالبان التي فرضت قيودا صارمة على النساء.

ويقول البنك الدولي إنه منذ عام 2001، ارتفع متوسط ​​العمر المتوقع من 56 عاما إلى 64. وانخفض معدل وفيات الأمهات إلى أكثر من النصف. ونمت فرص التعليم، حيث ارتفع معدل الإلمام بالقراءة والكتابة من 8 في المئة إلى حوالي 43. وتحسنت الحياة في المدن، حيث حصل 89 في المئة من السكان على المياه النظيفة، مقارنة بـ16 في المئة قبل الحرب.

وحسب تقرير الأمم المتحدة، فقد انخفض زواج الأطفال بنسبة 17 في المئة. وتضاعف التحاق الفتيات بالمدارس الابتدائية، ودخل عدد أكبر من النساء الجامعات وعملن في البرلمان. غير أن هذه الأرقام لا تزال ضئيلة مقارنة بالمعايير العالمية.

ولكن على نطاق أوسع، فإن فشل الطموحات الأميركية في بناء أفغانستان مستقرة وديمقراطية هو ما ترك البلاد غارقة في حالة من عدم اليقين مع مغادرة قوات الولايات المتحدة.

ويستنتج مايكل كالين الخبير في اقتصاد أفغانستان في كلية لندن للاقتصاد بأن “الولايات المتحدة حققت وجودا مهما في مجال الاستقرار في الوقت الحالي، وبمجرد أن ينتهي ذلك سيكون هناك فراغ في السلطة”. وختم بالقول “في حرب العشرين عاما، سيكون هناك الكثير من الأمور التي يجب تسويتها”.

 

المصدر من هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى